06 ديسمبر 2011

لما كنت بلطجي

أقر أنا محمد السيد العتر ، طالب بكلية الإعلام أنّي بلطجي ، وأني شاركت في معركة محمد محمود ضد قوات الأمن .


(1)

بدأت حكاية تحولي إلى بلطجي ، حين سمعت عن ما حصل لأهالي شهداء ثورة 25 يناير ، الذين كانوا معتصمين في صينية ميدان التحرير . عرفت عن ما حدث من سائق تاكسي .. أخبرني أن قوات الأمن هاجمت أهالي الشهداء " العواجيز " دون سبب يذكر ، وأخبرني - على الرغم من أنه سائق - أن الأهالي لم يسببوا باعتصامهم أي أزمة مرورية ، ثم أكمل : مش فاهم ليه الداخلية ضربتهم ؟

بدوري كإنسان شعور البلطجة لديه يتنامى قررت النزول والتحول النهائي لبلطجي ، كان عدد المتواجدين في الميدان عشرة آلاف بلطجي كلهم قرروا أن يعتصموا وأن يمنعوا قوات الأمن من دخول التحرير .

لم أكن وحدي ، كنت واثنين آخرين ، وهما البلطجيين محمد بلال ، وهو مهندس ، والبلطجي الثاني هو عبد الله كمال ، وهو صحفي ومترجم . فور شعورنا بإحساس البلطجة قررنا أن نتماهى داخل ذلك الشعور وأن نعزز من انتمائنا للبلطجة فذهبنا إلى شارع محمد محمود ، وتفاجأنا بعدد كبير للغاية من البلطجية يقذون الحجارة على قوات الأمن ، فشاركناهم قذف الحجارة ، وشممنا ما يكفي من غازات القنابل المسيلة للدموع واللعاب والروح . صديقي البلطجي المهندس محمد بلال أغمى عليه ، وأنا كدت أن يغمى عليه . قررنا العودة إلى المنزل على أن نعيد مزاولة البلطجة في الغد .


(2)

كان مساء يوم الأحد ، قابلت أنا ومحمد بلال صديقنا عبد الله كمال ، كان وجهه مشوهاً بسبب الخرطوشة التي أخذها في وجهه ليلة أمس بعد أن تركناه . بالطبع ولأن عبد الله كمال بلطجي فقد قرر على الرغم من إصابته أن يعود مرة أخرى إلى محمد محمود وهو يقول : " وإيه يعني .. ده أنا مت موتات أحلى من كده بكتير " . صدقوني إحساس البلطجة لا يفوقه أي إحساس .

خضنا معركة قوية في شارع محمد محمود ، نكر ونفر ، نقذف بالحجارة فيردون علينا بالقنابل المسيلة للدموع والخراطيش ، وطوال الوقت هناك الكثير من البلطجية المصابين حولك ، يُنقلون إلى العيادات الميدانية . تكرر مشهد الدماء كثيراً لدرجة أنك كبلطجي ينتابك بين الحين والآخر شعور حقيقي بالرغبة في اللحاق بهؤلاء الذين سبقوك إلى السماء .

في الأوقات التي كنت أختنق فيها للغاية بسبب الغاز لم أكن أرتعد أو أخاف كنت على يقين طوال الوقت أن هناك العديد من البلطجية من حولي والذين لن يتركونني أموت وحيداً على الرصيف ، طوال الوقت هناك من يسعفك بالخل ، أو بخليط الماء والخميرة .

في هذا اليوم رأيت بلطجي مصاباً برصاصة في رقبته ، وآخر مصاباً في بطنه ، وشاهدت لأول مرة العديد من البلطجيات ، كنّ يتقدمن في الصفوف الأمامية يحملن لنا الخل والخميرة ، والكمامات ، والقطن .

تركنا الميدان يومها وعدنا إلى المنزل لنعيد الكرة في اليوم التالي .


(3)

كان يوم الاثنين .. خرجنا سوية نحو الميدان ، وفي شارع محمد محمود كان البلطجية يصلون العصر ، فصلينا معهم العصر . أمامنا كان صف من البلطجية الآخرين الذين كانو يحموننا من أي محاولة غدر من قوات الأمن التي كانت قد أعلنت الهدنة .
لم تستمر الهدنة طويلاً ، ففي الركعة الثانية بدأ إطلاق الذخيرة بكل أنواعها من قبل قوات الأمن ، أنهينا الصلاة .. أنهيناها وكلنا نبكي، لا من الخوف .. في الحقيقة كنا نبكي لسبب ما لم نكن نعلمه ، وأظن أن جميعنا لم يهتم لمعرفة السبب ، أو قرر أن السبب يفوق قدرته على استيعابه . ربما كنا نبكي من الخوف ، وربما كنا نبكي لأننا لم نلحق بالذين سبقونا نحو السماء .. وربما كنا نبكي لأن لا شيئ يدفعنا إلى تهاتفنا هذا على الموت ، وكنا لانزال نتهاتف .

وقتها كانت كل الأسباب والتفسيرات غير مهمة ، أو أنها كانت فوق قدرتنا على استيعابها . الشيء الوحيد الذي كنا نعلمه ، بل كنا على يقين منه هو : اللهم إنا مظلومون فانتصر ، وكان هذا هتافنا فور أنهينا الصلاة .

تقدمنا فوراً إلى الصفوف الأمامية ، لم يكن في الأمام سوى القليل من البلطجية كنت واحداً منهم ، تقدمت .. أمسكت بحجر وألقيته .. لم يصبهم ، أمسكت بالآخر وألقيته .. لا أعلم إن كان أصابهم أو لا ، وكنت في كل مرة أركض إلى الأمام حتى أصبح وحدي أمامهم، ألقي بالحجر وأعود وأنا على علم بأنه يمكن في أي لحظة أن أسقط مدرجاً بالدماء ، ولكن دافعاً ما قوياً جعلني لا أرتعد .
أتقدم مرتين وثلاثة وأرمي بالحجر فيصيبهم أولا يصيبهم .. لا يهمني .. ولا أعلم في الحقيقة ما كان يهمني وقتها ، كل ما كنت أعلمه وقتها أن الله مطلع علي وهو راضٍ عني ، ولعلي سأقابله لا بشيء إلا بذلك الموقف .

ربت عبد الله كمال صديقي البلطجي على كتفي ، وتقدم للأمام ، فتقدم من خلفه البلطجية .
عبد الله لا يجيد رمي الحجارة ، وعلى الرغم من ذلك لم يترك المقدمة أبداً ، وكان وجوده بجواري يبعث إلي بالطمأنينة ، وكان البلطجية إذا ما فرّوا من الرصاص أو الغاز كان يقف أمامهم وهو يصرخ فيهم فيعيدهم إلى مواقعهم في الصفوف الأمامية .

أصيب عبد الله يومها في رأسه .. فجأة اختفى ثم عاد وعلى رأسه ضمادة ، فسألته عنها ليجيبني : نيران صديقة . وهو مبتسم ولا يزال يكرر : مش هممني يا ولاد الوسخة .. أنا مت موتات أحلى من كده بكتير .

كان طوال الوقت هناك فتاة في الأمام .. أعرفها جيداً ، وقابلتها عدة مرات لكني لا أتذكر اسمها ، ترتدي ثوباً أسود وتلثم وجهها بشال فلسطيني ، لم تبرح الصفوف الأمامية ، حتى لما كنا نحن الشباب نفر من ويل القنابل ، والرصاص والخراطيش ، كانت تظل ثابتة تبحث عن مختنق أو مصاب . وكان هناك سيد عجوز ضخم ، ملتحي ، ويرتدي ثوباً بنياً ، يقف في الأمام ويمنعنا في الفرار من المعركة ، ثم يحمسنا ، ثم يلتحم معنا في خط المواجهة .

بلطجية الأولتراس كانوا دائماً ما يرفعون من روحنا المعنوية بهتافاتهم .. وظهورهم كمجموعة منظمة يركضون إلى الأمام يشاركون في إلقاء الحجارة وأحياناً الملوتوف ، ثم يعودون مرة أخرى ينظمون أنفسهم ، ليعيدوا الكرّة .

عرفنا أن قوات الأمن حاولت الالتفاف من شارع باب اللوق ، وأن معركة حامية الوطيس تدور هناك ، والعديد من المصابين سقطوا ، فلحقنا بها .
هناك أصبت برصاص مطاطي أو خرطوش لا أدري ، ولكني أتذكر أصوات ارتطامها وأني شعرت بها تصيبني في فخذي .

افترقنا أنا وعبد الله كمال ومحمد بلال بسبب الكر والفر ، وقابلت عبد الله ... عبد الله ماذا ؟ .. لا أدري ، ولا أعرف عنه أي شيء آخر سوى أننا تقابلنا وتعرفنا أيام اعتصام الثورة الأولى . تقدمنا سوياً ثم افترقنا بسبب الذخيرة التي كانت تطلق علينا . عدت أنا إلى الخلف وفقدته ، لأراه بعد لحظات محمول على دراجة نارية ورأسه كلها مغطاة بالدماء . لا أدري ما حدث له ، ظننته استشهد .. فبكيت.

عدت إلى قلب الميدان وقابلت محمد بلال وعبد الله كمال مرة أخرى ، وظللنا بعض الوقت في قلب الميدان . وهناك أوقفنا شخصان تعرفا على عبد الله كمال .. لقد كانا من المصلين في الجامع الذي وقف فيه عبد الله كمال يوم 28 يناير يخطب في الناس بعد الصلاة : سيد الشهداء جمزة ورجلٌ قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه .. فقتله . خرج يومها بمظاهرة عددها 100 ألف في شبرا ، كانت بدايتها الجامع الذي خطب فيه الناس .

افترقنا مرة ثانية أنا وبلال وكمال ؛ أنا وبلال ذهبنا لشراء أدوية للمستشفى الميداني ، وعبد الله قرر أن يبقى .
بعد ساعتين أو ثلاثة جاءني اتصال من موبايل عبد الله ، والمتحدث هو أسامة .. الذي لا أعرفه .. أخبرني أن عبد الله مصاب ، وهو في مستشفى القصر العيني .
تذكرت كل الشهداء الذين قتلوا أمامي في محمد محمود ، تذكرت الذين فقدوا أعينهم في باب اللوق ، تذكرت صديقي الذي غطى الدم رأسه كله ، ثم تذكرت عبد الله كمال وهو يبتسم ويقول : أنا مت موتات أحلى من كده بكتير . وبكيت .

في الحقيقة لم يخفف عني ألم الخبر وصدمته إلا  عبد الله نفسه ، حين ذهبنا إليه في المشفى كان لا يزال في الاستقبال .. الرصاصة لازالت في ساقه ، وجرحه لازال ينزف ، وظهره أيضاً ينزف ، وساقه متورمة ومصابة في أماكن مختلفة .. وكان يضحك .

 (ولاد المرة قعدوا يضربوا علي خراطيش ورش حتى بعد مااضربت بالرصاصة في رجلي وكنت بزحف .. والناس كلها تخلت عني )

لم أستطع البكاء ، على الرغم من أنه الوقت الأنسب لذلك ، لكن سببا من تلك الأسباب التي لم أفهمها منعتني عن البكاء .


(4)

كان يوماً ملحمياً ، بل كلها قصة ملحمية . تعرفت على نفسي أكثر في ذلك الوقت ، وأدركت جيداً أنني أحب الحياة ، أكثر مما كنت أتوقع . لم أدع الله أن يرزقني الشهادة ، ولكن كنت أرجوه أن يحسبني شهيداً إذا ما شاء أن أموت .

لازالت صور الموت تؤثر في ، ولكن وبعد تلك الملحمة ازداد تأثيرها . وأدركت جيداً أن لاشيء أياً كان يبرر التعامل مع الإنسان على أنه غير ذلك .


أقرّ أنا محمد السيد العتر .. إنسان .. أنّ شيئاً ما فيّ تغيّر للأبد ، بعد ملحمة محمد محمود ، وإصابة صديقي الأعز وأخي وملهمي عبد الله كمال



ملحوظة:
هناك أشياء لا تحكى من ضمنها ما حاولت جاهداً أن أحكيه هنا ، وأنا واثق أني فشلت في ذلك . وهناك أشياء لم ولن أستطيع حكيها .
وهناك أشياء حين تكتبها يوجعك قلبك ، وربما تبكي .. لا تعرف السبب ، ولكنك لا تخجل من بكائك .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق