20 أغسطس 2011

آخر عيد ميلاد مجيد لسيدة عجوز

(1)
" دانيال "
اسمه دانيال استير ، عرفت ذلك من جواز سفره الأيرلندي .
تبدأ الحكاية في صباح آخر يومٍ من عام 1994 في حي الجبلية حيث كنت أعمل في منفذ بيع تابع لمؤسسة ثقافيّة عبرية حين رأيت أحدهم يركض من المحل هارباً بمجموعة أفلامٍ إباحيّة ، لأترك ما في يديّ وألحق به .
 ركضت وراءه طويلاً ، حتى إحدى المربعات السكنية في منطقة هرميش وكانت قواي قد خارت في نفس الوقت الذي دارت فكرة في رأسي عن أنّ أحداً لن يهتم كثيراً بفقد مجموعةٍ من الأفلام الإباحية ، بدت حجّة مناسبة كي أقتنع بأن أعود أدراجي قبل أن ألمح حافظة أوراق يبدو أنه أوقعها حين كان يركض . أخذتها وعدت بها إلى البيت لأجد بها مجموعة أوراقٍ وجواز سفرٍ أيرلندي يحمل صورته واسمه ؛ " دانيال استير "   ، وبطاقةً شخصية لسيدةٍ عجوز .

(2)
احتفظت بها  فترة احدى عشر شهراً ونصف ، وبدوت متجاهلاً لوجودها أعلى التلفاز قبل أن أكتشف أن احتفاظي بها ليس مفيداً بالنسبة إليّ .. لم تكن تحوي شيكلاً واحداً ، كما أنه ما من معلومة في الأوراق تدل على عنوان " دانيال " ، إلى جانب أن فكرة إعادة مجموعة الأفلام الإباحية بدت سخيفة للغاية بعد مرور ما يقرب من عام على سرقته إياها .

في صباح اليوم التالي وأنا أتناول فطوري على الطاولة أمام التلفاز ، لمحت الحافظة وقد اتخذت قراراً بالتخلص منها . أخذتها من فوق التلفاز وتفقدت محتوياتها للمرة الأخيرة ، جال في ذهني خاطر حين رأيت البطاقة الشخصية للسيدة العجوز ؛ سيكون من الجيّد أن أعيد بطاقتها لها .
أعدت الحافظة لمكانها ، فوق التلفاز .

(3)
في كلّ مرة كنت أنوي فيها إعادة البطاقة لصاحبتها يحدث مايشغلني ، أو - للدقة - تشاغلت عن إعادتها ، حتى كان صباح اليوم الأخير من عام 1995 ، كنت أجلس في منزلي وحيداً أشعر بالملل الشديد ولا أجد أحداً لأمضي معه ليلة رأس السنة ؛ صديقتي سارة قررت أن تهجرني منذ اسبوعين ، وأصدقائي سينشغلون إما برفقة أهليهم ، أو صديقاتهم .
خطر وقتها ببالي أن أقوم بشيءٍ ما لطيف .. أن أعيد البطاقة للسيدة العجوز .

(4)
في أطراف منطقة أرشيد شمال مدينتي ؛ يافا ، كان عنوان بيتها المكتوب على البطاقة .
طرقت باب شقتها لينادي صوت عجوز من الداخل : هل أتيت أخيراً يا " دانيال " ؟ .
فتحت العجوز الباب وهي تردد : كنت متأكدة أنك ستعود يا دانيال لتقضي مع جدّتك ليلة رأس السنة .
عرفتُ أنها عمياء حين أصرّت أني دانيال وفتحت لي ذراعيها كي تحتضنني .
لم يكن أمامي الكثير من الوقت كي أفكر فيما سأقوله أو ما سأفعله ، لكني وجدتني تلقائياً أفتح لها ذراعي وأحتضنها وأنا أقول : نعم ها أنا ذا دانيال يا جدتي. تأكدت وقتها أنها تعرف جيداً أني لست حفيدها دانيال كما كنت أعرف  لكنّها سايرت الحدث ، كما سايرته تماماً ، كلانا كان يعرف أنّها لعبة مختلقة ، وكلانا أحبّ أن يكملها لنهايتها .

(5)
قضيت اليوم بأكلمه معها ، كانت تسألني عني وعن حياتي ، وكنت أختلق الأحاديث الكاذبة طوال الوقت ، مثل أنني على وشك الزّواج ، وكانت تظهر سعادتها الغامرة لما أقوله ، وتردد : كنت متيقنة أنك ستعيش حياةً سعيدة يا بنيّ .
في الليل أعددنا العشاء سوية ، ثم ذهبتُ لأشتري زجاجة نبيذ كي نحتفل .
أكلنا وشربنا وتحدثنا طويلاً ، وفهمت من حديثها أني لو كنت دانيال بالفعل لكان  من المفترض أن أكون قد هاجرت معها ومع والديّ   من أيرلندا إلى هنا قبل عشرين عاماً من الآن ، توفيّ والديّ خلالهما في حادث سير ، وخرجت أنا أو دانيال من البيت ولم أعد من وقتها إلا مرات قليلة لأحصل على المال ، ثم أعود لأختفي وقتاً طويلاً ، حتّى عدت في هذه الليلة لأقضي معها ليلة رأس السنة . أخبرتني أيضاً أنها كانت تعلم في داخلها أني سأعود اليوم .. لسببٍ أو لآخر كانت تعلم .

(6)
شربنا كثيراً ، حتى بدت ثملة ، وكنت على وشك أن أثمل أنا الآخر .
استأذنتها بأن أقوم لأغسل الصحون ، وأعيد ترتيب ما أتلفناه في سهرتنا ، وما لبثت أن أنهيت ترتيب الشقة وغسل الصحون  ، حتى غطّت هي في نومٍ عميق ، يبدو أنها كانت قد ثملت حقّاً من فرط الشّرب . غطّيتها بملائةٍ ووضعت حافظة الأوراق على الطاولة بجوارها ، ثمّ غادرت .

فكّرت أن أكتب لها رسالة ، أخبرها بمدى امتناني لاستضافتها لي ، وأعدها بأني سأعاود زيارتها لاحقاً ، لكن الرسالة ما كانت لتجدي نفعاً إذ لن تستطيع قراءتها وهي عمياء .

 بعد مرور ستة أشهر قررت أن أزورها ، وبالفعل ذهبتُ إليها لكنّها لم تكن هناك ، سكنت في شقّتها عائلة أخرى إسرائيلية عرفت من عائلها أن السّيدة العجوز قد ماتت منذ ستّة أشهر ، كانت وحدها في الشقة تنام على كرسيّ وثير مغطاة بملاءة .
أدركت أن آخر عيد ميلاد مجيد تقضّيه تلك السيدة العجوز كان معي .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق