18 مايو 2011

حِكَايَةُ مَوْت

فارقنا يا ليندا ، فارقني أكثر من كل الأشخاص الآخرين .. يبدوا أنّ الله حقّاً إذا أحبّ أحداّ أماته .
كسب الرهان ، كان يقول للجميع بالأمس أنّه سيموت :

أختي :
كتب على الورقة : اليوم . ثمّ أغمض عينيه وأومأ برأسه . يقول أنّه سيموت اليوم ..
أمّي \ خالتي \ خالي  :
كتب لنا : اليوم هموت .

ابن خالتي رآه يموت ، أمّا أنا يا ليدنا خانتني قدرتي على شمّ الموت ، كانت روحي مهترئة كفاية لتمنعني من التفكير في حالٍ أسوأ سأعيشها .

عدت للمنزل في الليل ودّعت كل الأشخاص ، إلا أنتِ ، ولم أكن أعلم أنّي على موعد  لتوديعه .
على مخدع موته  الأبيض كان ينظر للسماء ، ولا يعلم أحدٌ بحقيقة ما يشعره ، يتلون القرآن ، يدعون الله ، وتخرج روحه ، ليطلّ مبتسماً .

كان لابد أن يكون مبتسم ، فقليلون هم الذين يعلمون بموتهم قبل أن يموتوا .

ساعةٌ بين الموت :

كان بجواري قبر شخص مجهول ، لم يكترث له أحد ، اعتلى الناس القبر ليتلقفوا نظراتٍ أخيرة على المغطى بالكفن ؛ أيضاً لم يعرني أحدٌ اهتماماً أنا حفيده ، إلا حين وضعوه فوق التّراب ، لم أكن أنوي البكاء يا ليندا ، ولكنّ البكاء كان ينوي أن يُمَارس من قبلي . بكاء ونواح صامت .. لن أراك مرّة أخرى يا سِيدِي .

أشياء لا تقتلع :

تركوه ، إلا أنا وابنه .. لا أحد يعلم للآن أين ابنه ، وكانوا سيكونون كذلك بالنسبة إليّ لولا أن صديقي لحق بي ، كان جيداً منه أن يفعل ذلك كنت بحاجة إلى شخصٍ يدرك أنّي حزين بالفعل على فراقه . حتى أنتِ يا ليندا لم تدركي ذلك جيداً .

كنت أعرف الذي مات ، وأعرف أين عاش وكيف مات ، وأعرف أسباب وفاته أيضاً ، وأعرف أنّه كان يسأل كثيراً عنّي ، ولم أكن بالجوار قدراً كافياً لأسباب في الحقيقة لم تكن يوماً إلا واهية ، لم يكن يجدر بي ياليندا أن أتركه وهو على فراش الموت ، وأنا أكثر الناس الذين كانوا يعلمون أنه فراش موته ، وكنت أتجاهل .. أتجاهل لأنّ بقائي بجواره يكسبني شقوقاً في قلبي ، ولأنّي سأعتاد البكاء إن كنت بقيت بجواره ، ولأنّي كنت أريد القيام بالهراء ؛ أن أتعلم وأقتنص الفرص لأراكِ .. وأنت أكثر الناس بعداً عن مؤازرتي الآن .
لا أحد يستحقّ إلا الموتى ، إلا هو . حتّى لمّا سألت المغسّل كيف رأيته ؟ قال لي : حد يطول يكون زيّه .

لقد كنت اليوم بالجوار يا سِيدِي كتير .. لا أعلم إن كنت قد شعرتَ بي ، ولكنّي الذي حملت جسدك طوال الطريق من المشفى للبيت ، وفي سكرات موتك تلوت لك القرآن ، ومسحت على جبينك ، وبكيت كثيراً لأجلك ، رغم أنّه لم يكن يجدر بي أن أبكي وأن أعلم جيداً أنّك ذاهب لله .


بكيت على الرغم من أني كنت أقول للآخرين لا تبكوا على الموتى ، ولكن ابكوا على الأحياء العاجزين ، لربما بكيت خوفاً ألا ألقاك ثانية ؛ لم أتمم وصيتك ، وأخشى ألا أحفظ هديتك .. أمي ، لا أعلم كيف ستمارس الحياة بعد وفاتك . لماذا قد ألقاك وأنا لم أبقى حتى بجوارها ، أو بجوار قبرك أكثر .
الموت كصقر محلّقٍ فوقنا ، وحدك لم تراه سِيدِي اليوم ، يقتنص روح المستحقّين ، يبدوا أنّ حزن الأمس وجفاء عيني كان لأجلك اليوم .
ألم أقل لكِ يا ليندا أنّي أشم رائحة الموت ! .

وهم يحملون نعشه الذي كان يركض بهم ، كنت أتخيلك بيننا ، تسير في جنازة الشخص المقبل على قبره . كل الأشخاص حولي يدينون له ، والشخص الذي قال : الله يرحمه .. كنت أشعر بصدقه ، والعجوز التي لم أرها يوماً ،  كانت تصر على رؤيته قبل أن يكفنوه ، لأنّها مدينة له ، والممرضة في المشفى كانت تبكي عليه كأبنائه لأنها مدينة له .. كل الناس من حوليَ الآن مدينون لك ، ولو لأنّهم فقط عرفوك مرّة. الآن يبكونك ، ويدعون الله لك .


أرجوك اسأل الله وأنت في حضرته أن يلحقني بك سريعاً..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق