23 أبريل 2011

روح .. العَهْد الجديد

يجلس مطرقاً أمام شاشة الحاسوب ، يحتسي القهوة، ويصغي جيداً لزخات المطر العازفة للحن العبثية . كانت رائحة دموع السماء جافية ، متجردة عن عطرها السمائي .

****

الله .. في السماء ؟
لقد وسع كرسي الله السماوات والأرض . إنّ الكون مقدس لأن الله في كل مكان ، الله متعالٍ عن الوجود .. كيف تدركه الحواس إن كانت لا تدرك خلقه ؛ الروح .

****

لمّا كان يرتدي ثيابه الرمادية ، متوشحاً بالكوفية العشبية ، يركض موازياً للنهر على أرصفة صاخبة البهت ، يركض لأنّ القوة الحق دبّرت أن يثور الجمع لأجل الحب ، بالزهور وبالهتافات المتسالمة مع الهاتفين ، ونفوسهم الغاضبة ، وهو يركض ويبكي وينظر للأشياء من حوله ؛ النهر ، والأرصفة ، والمحال التجارية ، والأشجار ، وصورة العجوز التي أنقذت الثورة ؛ كانت في خلفية إدراكه اللاواعي ، مع أشد أغاني الحب إثارة .. للحجارة التي لم يفكر في استعمالها ، ووجه صديقه المتجهم والمبتسم ، والمعبر عن كل أحواله في ثانية عشق لشيء حقيقي .

****

يرتشف القليل من القهوة السوداء ، وينظر  إلى السماء بعرفان لن تقدره أي خطوط رسمٍ لحالة عظمتها .. إنها تشاركه الحزن ، ثانيةً .

****

وكان الجامع الكبير يعلن وفاة جدي ، وأبكي أنا ، وتبكي السماء تعاطفاً معي

السِّفْرُ الأوَّل - أَحْمَرْ فَاقِع 

أول مرةٍ كما ذكر في " مجمع أسفاره " كان قوس قزحٍ يلهي الحَزَنَ بمرات ظهوره متفاوتة البيان ، وكان هناك عدد من الأصدقاء يجيدون مشاركته لحزنه ، بالطبع كان يعلم أنّ العرس كان يستولي على عقولهم ، حتى لما أحضر الذين كانوا يقدسون سرّ جده وعائلته كراسيّ العزاء ، كان الأصدقاء يشاركون في ذلك لأنه واجب العرف ، ولأنه لم يكن يعبأ وقتها سوى بأنّ والده حزين ، وجدّه الذي حفظ صورته التي صارت أيقونة إلهٍ كالمسيح أو العذراء مات ولن تسع وسادات الباقين حفظ الصورة أسفلها ، ولن يقبلها أشخاص بقدر أب الأب .

****

السماء جلية صفوة ، ثم ترتعد أطرافها ببريق الغضب ، الممتزج بدمع الحزن الكئيب .. لقد أغرقت السماء الأرض بدمعها .
كان يحتسي القهوة الأشد اسوداداً ويكتب العهد الجديد .

****

يلتوي ألماً من الجوع والعطش وباقي حاجيات الحياة الأساسياة التي حرم نفسه إياها برضاً تام ، ويلتوي من الرهانات المخزية :

" عد لبيتك .. لن يذهب لأي مكان "

لقدكانت تبكي حين قالت له ذلك .. كان واضحاً من حشرجة صوتها الأعذب من ألحان نايات الملائكة .

لكنّ شيئاً ما إلهياً دفعه للعودة بعد أن ذهب ليشتم هواءاً آخر أقل نقاءاً .
يركض .. يركض ، والناس من حوله يهللون ، وتختلط زغاريد النساء ، بتهليل الذين تساءلوا باستنكار :
" هل سنعود لمنازلنا ونترك منزلنا ؟ "

جلس على رصيف كفّ عن البكاء ليستلهم من دمعات حرّاقة لعين شخصٍ جلس نائياً عن الفرحين تخالطه كل الذكريات ، وهو لا يدري هل يبكي فرحاً أم حزناً .

****
الساعة الرابعة والنصف ، وشيئاً من قلبه يتوه في خضم الأحداث المتلاحقة ، وبين القطرات المنهمرة على الطرقات الحزينة ، وابتسامة من مكان بعيد تلوح لشفتاه لتستقبل ثغرها غير متلهفةٍ لعادةٍ تكررت كثيراً ، أكثر مما تحتاج الحياة .

****

في الإنسان جزءٌ من الحقِّ ؛ الروح

 حَدِيثُ نَفْسٍ عَابِر

وكان يفكّر أيضاً في أنها تمثل دلالة الحقّ الإنساني ، إنها الروح المبرأة من الآثام الدنيئة ، وروح الطفل الفطرة ، وروح حسن الحور ونساء الخلد ، وروح الملائكة الطيعين للإله .

****

ارتجفت أوصاله ، لأنه لم يعتد من 9 ساعاتٍ وجوه أشخاصٍ يقدرون على منح الثقة ، كان يفتش ، ويعطيهم حقيبته البنية برضاه ، مبتسماً للغاية من خلف  وجهٍ مرهقٍ من الموت .

كان يبحث عن كل الذين يعرفهم . يأس وأسند ظهره على رصيفٍ بني تعلوه خيام ، وشحص حيّ كما لم يكن من قبل ، وجسده ممد على الرصيف الرمادي ، وينظر للسماء .

****

أوّل الذين قابلتهم كانوا يحومون حول  الحق الإنسانيّ . ملاك .. أو روح .

حَدِيثُ نَفْسٍ آخَرَ عَابِرْ  
كل الوجوه كانت غابرة بالنور ، ووجها كان النور .

****

يطلب من النادل نوعاً آخر من القهوة ، وكان يسأله ماهي أنواع القهوة التي يقدمونها ، وكان النيل العجوز ينظر بالرضا إلى ولد طينته الصالح ، والسماء تتلقف النظرات وتعبّر عن أساها وفخرها   :
" أنت من طين السماء "

****
مازحه الشيخ بحديثٍ ملهم على أثير واقع الوهم ، وتحدثا قليلاً ، وانقطع الأثير ، فاتصل به الشيخ .. كان يتنفس الصوت الذي اشتاق الجلوس أمام صاحبه كمتعلم مخلص للعلم .. لصاحب العلم ، للذين يبعثون الأمل .

****
الساعة الخامسة ، أو أقلّ قليلاً ، والسماء كففت دموعها وظلت مكفهرة ، وهو يتلوا نوتة عن الحب ، والشفاء ، والبقاء بجوار السماء حتى قبل الخلود .

****

العجوز التي ألهمته وابنتها فكرةً أخرى عن الحياة ، لاتزال رابضة في قلبه ، يتذكرها ، ويتذكر صديقه الذي أعياه الإرهاق فسط شامخاً ، ويتذكر الذين ساندوه ليصيح في الجمع المحصور حديثاً كــ " انطلقوا للحرية " . كخيول حيرية ، وكفرس جبرائيل ، ينطلقون نحو الخوف الأسود .. يقتحمون الموت . والعجوز تصبّ الماء على الجنود السّود . ناداه ظابط خوفٍ بالوبل ، فردت بجردل مياهٍ آخر .

****

" انتوا خايفين من ايه .. ساكتين على اللي انتوا فيه ليه "
هتف في جنود الخوف السّود ، والعسكري الكبير الذي كان يبكي خلف عدستيه ، أمسك بتلابيبه ، وهدده بالنفي وراء الشمس ، وصديقه يسقط من فوق الشاحنة ، وهو يخبره بأنه أتى ليموت .. فربما وراء الشمس يظل حيّاً .
العجوز من خلفه بلكنة الدموع ولهجة اللامبالي باللاحياة :

" اه جايين نموت .. هو احنا عايشين أصلاً "

كان الموت لدى الناس حينها مثواً للحياة ، والخلود .

****

فكوا قيد جدارات جنود الخوف ، وهرولوا نحو شمسٍ تسطع على أرضٍ أكثر اتساعاً .

كان لابد أن أتوقف عند مشهدٍبهذا التدخل الرباني :
ونحن نركض بعض أن حررنا سقوط الصديق ، وبعض صياحٍ قمت به ، وجردلي ماءٍ من عجوز خالدة في قلبي ، كان بالإمكان أن نسقط كلنا موتى لسيد حالة الجنود ؛ الخوف ، لولا أن عربة لقوات الأمن كبيرة ، وأخرى صغيرة أوقفاها سائقيها ، وهم يحثونا على الإسراع . توقفت كل المشاهد حينها.. إلا من ركضي نحو جنديّ يحثنا على الإسراع لأحتضنه بدمعٍ لم أحدد إلى الآن لكنته .

الثُّلُثُ الأوّل - العَهْدُ الجَدِيد

****

تحت السماء المتوشحة بالرماد ، وبوجهٍ صامت ، فوق بركٍ متفرقة من ماء آسن ، كان يسير على عجل ٍ في آن ، وعلى مَهْل حين ينظر فيما حوله .. بشعر كثّ لنسيانه كلّ يوم أن عليه تهذيبه ، وبصدرٍ مملوئ بالأسى ، يمر أمام المشفى .. هنا يرقد جدّه ، يتناسى الأفكار حول ذلك ، ويتذكر أمه الرائعة ، العذبة ..

فليحفظ الله الجدّ لأجلها .. ولأجل روحي . يدعو الله ، ثمّ ينظر للنيل المبتسم له ثانيةً ، ويفكّر في مدى طول طريقه .

****

هل سيراها وهو يسير هكذا شاحباً متلاهياً عن الأشياء بأخرى . إنها كلها صياغة مختلفة لأحزان متشابهة .

****

كان جديراً به أن يتلو نصوص ناصعة البياض مثل التي تلاها في الليلة التي قضاها بجوار جدّه في المشفى يسأل الجديرين بالدعاء له . لم يلحظ أنه ربما يكون جديراً بالدعاء لجده

ردد نصوص الحمامة والهادية .

بحقّ إنها رائعة كصاحبتها

حَدِيثُ نَفْسٍ عَابِر ، أَوْ رُبّمَا رُوح العَهْدِ الجَدِيدْ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق