29 مارس 2011

الله يكره الرأسمالية


لماذا يجعل الله أعلى الثواب رؤيته ؟ ..
 
(1)   

آرنو المسبهل ، هكذا يُطلق على الفتى القاطن في إحدى أحياء " أنتويرب " البلجيكية مسبهلٌ أمام كل الأشياء بعينيه الجاحظتين المخططتين بحاجبين كثيفين مرسومين على وجهٍ ليس بلجيكياً . القصير النحيف ، ذو الشعر الرمادي ، والسائر طوال الوقت ملتفتاً لكل الأشياء الملونة .
آرنو المسبهل ؛ يسميه أصدقاؤه وأقرانه ، والجيران حتى أبويه وأخوه " جينيامن " وكل الأشخاص الذين يلتقوه وسكان الحي – المفتول على خصلات شعر ملاكٍ حسن يطل على جدول مياه كمرآة مرأةٍ ملكية – إلا العجوز الشاحب ، المتوحد مع ألواح  كوخه الخشبية ومرآب الأسرار الشريرة المنبوذ من آل حيّه . ربما لأنه لم يلتقيه يوماً إلا مرّة ، أو لأنّ تلك المرة كانت خاطفة وموجعة من فيض حالة الخوف التي انتابت آرنو حين رآه على ضفة الجدول الشمالية متكزاً على عصاً شجريةٍ ينظر للإنعكاس الأخضر على وجه الجدول المائي .. وفقط ، لم يلحظ حينها آرنوند نظرات عيني العجوز الممتلئة بكل أصناف الأشياء التي لم يكن ليعرف مغزاها .

يقول دوماً – الرفيق الصغير – لآرنو أن والدته – الإنكليزية – تذكر أمامه حكايات الرجل العجوز وأعماله الشريرة ، فالحريق الذي أصاب كتدرائية السيدة العذراء منذ ثمانية عشر عاماً كان بشررٍ ألقاه ، وأنّه الذي أحاط المدينة برعب التفجيرات المتلاحقة وقت جاءت الشركة الأمريكية لإقامة جمعٍ من المراكز التجارية .

إنه العجوز المنبوذ من كلّ الأشخاص ، وأكثر الناس احتراماً لآرنو إذ لم يلفظ المسبهل مع ذكر اسمه .
آرنوند كان يتغاضى عن فكرة أنّ العجوز في الحقيقة لم يذكر اسمه البتة ، إلا أنّ دافعاً بداخله كان يتحين الفرص ليكوّن  حول الرجل هالةً من التعاطف معه .

إنّ كل الأشخاص مسبهلون في الحقيقة
؛ يقول آرنو الفائض بالغيظ ، فهو الذي لا ينظر للجميع حين يسيرون ؛عرجى ، مرضى ، أو ممارسون للحب على ناصيات الطرق ، إنه يحب الألوان والأشياء المبهرة ، والأشخاص كلهم ينظرون إليه في كل الأوقات على أنه الأكثر غرابة ، حتى أنه سمع جينيامن يقول لوالدته أن آرنو سيكون كالعجوز الرابض في الكوخ الخشبي أقصى الحي على مقربةٍ من غابة أشجار الصنوبر .

(2)   

لو كانت والدة آرنو أكثر حنواً لما كان الشخصَ المسبهل ، ولكنّ كل الأمهات كذلك ، كلهن يقضين صباحات الأيام في وظائفهن ، والليل لأجل اقتناء الزخرفيات وعناصر مفترقة ليكوّنّ أثاثاً فاخراً متغيراً طوال الوقت، وأكثر رفاهية من أثاث المنازل المجاورة ، إنهن يتنافسن أيضاً في تعبئة سلات الشراء في المراكز التجارية بأصناف الكريمات وأنابيب معاجين تنعيم البشرات ، والوالدون في وظائفهم أو أعمالهم الحرّة يتصارعون لبلوغ أعلى الرتب المهنية كي تزيد رواتبهم وليشتروا سيارات فارهة أكثر من الآخرين ، إنهم وهنّ يتنافسون ليكونوا  بلاستيكين وبلاستيكيات رخيصة يقطنون منازل أفخر منهم ومنهن . لقد صاروا كأثاث يلمع وسط أشياء كثيرة تملأ العقول ، والمنازل بالتتابع البديهي في العالم المخروطي إلى قاعاتٍ ليست موجودة على الإطلاق .

ولما لا يكون آرنو مسبهلاً أمام كل الأشياء اللامعة ، فهي كثيرةٌ بقدر يصعب فيه إحصاؤها ، وهو يحب أن يلحظ الأشياء وأن يتذوق جمالها بعينيّ شخصٍ يعرف القيمة وراء الأشياء ، شخصٌ مبعثرٌ أمام الأشياء التي لم يعد يعرف في أيها تكمن القيمة .. لذلك يمعن آرنو النظر في الأشياء والألوان التي صارت مهترئة ، التي فقدت مصداقية الجمال . فحتى الألوان التي يُرمز إلى جمالها حين يمثلها قوس قزح لم تعد تمثل شيئاً إلا بلاستيكية الحياة والأشخاص ، والجمال المخفيّ داخل تلك الأطر الباهظة ، والتي لن تكسب الحياة رونق مجموعة قيَم أخرى غير التي تعود الناس على حفظها وتكرارها ، وجُعِل المساس بها لفظاً عيب، رغم أنّها تنتهك كل يومٍ بممارساتٍ فعلية .

هييه .. أيها العقل المفكر بلا داعٍ ،ما أدراك والحاجيات التي اعتاد قومٌ يملكون عقولاً أقدم منك الحرص على اقتنائها . ينام آرنو على فرشٍ وثير في الطابق الأول من سريره الخشبي الملون بالأزرق الباكي ..

لا زال آرنو – رغم أنه قرر النوم – يفكر في الأسباب وراء بكاء اللون الأزرق على سريره ، لما لا يسطع ، ويعطي للأشخاص انطباعاً بالتفاؤل ، لما لا يرمز لكينونته الحقيقية ؛ ممثلاً لعهدٍ جديد في صباحاتٍ تلحق اليالي الكُحْلية ، لماذا صار باهتاً رغم أننا نسكب المزيد منه على خشب السرير كل  نصف عامٍ بمقدار يكفي لأن يسطع حتى آخر لحظةٍ نسكب فيها المزيد .
والأحمر الذي يخط حدود الجدار المقابل للسرير ليس فاقع رغم أنّ والده أتى بعبوة اللون الأحمر الفاقع تلبية لرغبة جينيامن ، ورغم ذلك لا يفقع الأحمر ، وكل الألون في الغرفة وفي المنازل المجاورة ، ولون الجرانيتة الخضراء في مطبخ الوالدة لا يعبر عن الأخضر المُبرز للبلورات المتلونة بدرجاتٍ أخرى من الأخضر .. يفكرّ .. يفكّر ، حتى يتغلب عليه نعاسٌ حزين على قطع أحبال أفكارٍ كادت تتلاقى لتبلور فكرةٍ غير باهتة .

(3)   

حين صحا اليومُ على غيومٍ تلبّد الصفاء الغير راقي للسماء التي تحتلها ليلاً أنوار صناعية تخفي البروز الراقي للنجوم الليلية التي تعطي انطباعاً بقدرة صنع الآمال لأنّ شيئاً يحترق لأجل أن يتمتع الناس بالنظر إلى الكحلية النيرة ، قام آرنوند ليسبهل أمام النُّقَر المحسوبة والتموجات التي تصنعها قطراتُ استفتاحيةِ الأمطار الشتائية طويلة الأمد حينها لم يكن آرنو الوحيد كما كان يظن ككل عام ، لقد كان يشاركه الإسبهلال أمام المنظر ؛ العجوز ! .

هل كان العجوز فتىً مسبهلاً أمام الأشياء مثلي الآن ؟ .. إنّ آرنوند يصنع هالةً من التعاطف حول العجوز ، ونفسه ، ويخلق هالةُ أخرى من استحقار الأفراد المسبهلين أصلاً أمامه وأمام العجوز وكل فردٍ ينظر إلى الأشياء لاستلهام الجمال فيها ظاهراً فكيف إن كان مخفياً خلف غشاوة الإستعمار الماديّ .

تقدّم آرنو إلى العجوز الغافل عن كل ما حوله إلا دوام النظر في الأفق الإفتراضي الذي يصنعه لنفسه . أمام عينيه تبدو غشاوة دموع تيبست منذ أمدٍ وعلى وجهه خطوط عمرٍ إفتراضي منتهٍ من شدة الألم الذي لا يجد الكون الفسيح له مبرراً ويخلق آرنو جوقة مبررات ؛ الناس ، والوحدة ، والكوخ ، وأنه أعلم أهل حيه ! . إنها فكرة شردت من مجموع مبررات آرنو ، يبدوا أنه كان يحتاجها ليتقدم خطوة أخرى تجاه العجوز ويناديه :

-    عمّي .. عمّي ..

العجوز الشارد لم يجب إلا حين وقف آرنو أمام عينيه .. تفاجأ العجوز الذي ابتسم ليرى آرنو خلف خطوط العَجْز وجه شخصِ أثبت فكرته الشاردة ؛ أعلم أهل حيه .. أو ربما أن آرنو أراد ذلك ليقتنع  بشخصٍ يقطن مع مجموعة أخشاب غير لامعة ، في كوخٍ لا يعطي انطباعاً بأن مكوناته من البلاستيكيات التي تمتلئ بها المنازل الأخرى في مدينة " أنتيورب " وكلّ بلجيكا ، في الحقيقة العالم كله ، إلا في مقارّ الفقراء .. ولما يعيش الفقراء في اللاشيء، ويملأ الميسورون منازلهم بالأشياء الباهظة ؟ من الممكن أن يكون البهت الذي يستولي على الأشكال والأشياء الباهظة هو لأنها لم تلقى وجهاً فرحةً من قلبه لإقتنائها ، وجوه أشخاص يريدونها حقاً لأنها كفيلة بإقامة حياةٍ آدمية ، إنها طوال الوقت الأشياء التي توضع تحت الأضواء ، دون أن يمسها شخصٌ ، الأشياء التي لا تفيد شخص ، إنها تكسب العالم مزيداً من القمامة اللا مستهلكة .

أهلاً يا آرنو المسبهل .. هكذا ناداه العجوز ليجيبه آرنوند بابتسامة مقهور :

-    حتى أنت .. ؟    

* لقد جازاك الناس يا أرنو  بالمسبهل وهم لا يعلمون أنّهم يعبّرون عن علمك الكامن داخل بوتقة الأفكار التي تدور في رأسك كل ليلة دون أن تجتمع لتصل إلى ما تريده . أنت يا آرنو مسبهل لأنك باحث .. أنت باحث ذو قلبٍ طيّب ..

قبل أن يقتح آرنو فاه بكلمة وبعد أن اعترى وجهه كل علامات التعجب ، والإستفهام حول غموض حديث العجوز .. سار العجوز وأشار له أن يتبعه .
جُذَب آرنو دون هدى خلف خطوات العجوز المقننة حتى الحَوْشِ الخلفي لكومة الخشب التي يقطنها العجوز . إنه الباب الخلفي والذي يبدو أنّ العجوز اعتداد الولوج منه ؛ هذا ما رآه آرنو ، وزهور بنفسجٍ تملأ قطعاٌ متفرّقة من الطين حول الحوش الضيق . حين ولج العجوز داخل البيت نادى آرنو ليلحق به :

•    ادخل يا بني ..لا تخف ..

دخل آرنو البيت والعجوز ينظر إلى تعبيرات وجهه بابتسامةٍ الشخص الواثق من ردة فعل الناظر إلى مجموعات التحف المنتثرة قطعها المتكسرة في كل الأرجاء وحول سريرٍ معدني عليه فرشٌ من صوف خشن ، يسند كتفيه الصدئين على لوحين كبيرين من الخشب ، وعلى الجدارين الخشبيين يمنة ويسرة ؛ لوحتين كبيرتين .

لم يكن آرنو مسبهلاً  أمامهما كعادته أمام الأشياء والألوان ، ورغم أنهما فنيتين نادرتين ، لكنه أدار وجهه سريعاً عن اليمنى إلى اليسرى إلى كل الأرجاء بين ألواح الخشب ، داخل الكوخ القائم بروح الأشياء المتكسرة ، وروح اللوحة اليمنى واليسرى ، وروح الفكرة التي دارت في عقل آرنوند حين اسبهل وركّز ناظريه في نقطة فوق السرير الصدئ ...

-    اللوحة الأولى لفتاةٍ متجردةٍ عن كل الماديات ، لا ثياب .. لا قطعة ثيابٍ تغطي كمال أنوثتها ، لا أرض تحتها ، لا حوائط خلفها ، جنبها ، فوقها ، ولا سماء ، ولا ظلَّ يرسمها على شيء ، لا يوجد شيء .. فتاةٌ متجردة عن الماديات في لوحةٍ من الفراغ الأصم المتجرد عن أي مادة .
..... اليسرى أجمل من اليمنى ، الفتاة المرسومة على اللوحة المزركشة بألوان حائط مذهب ،  التي ترتدي ثوباً قصيراً يكشف عن ركبتيها وجزء متوسط من فخذيها وساقها إلى القدمين ، فضفاض عن ذيله ويضيق عند الخصر ، والصدر ، وبلا أكمام ، وشعر الفتاة يحوط درّة متلألئة .  تلك اليسرى أجمل . إنها  مليئة بالألوان المتناسقة ، الواضحة ، كما يبدوا أنّ من رسمها قد أغدق عليها الكثير من وقته وجهده ، خصوصاً انثناءات الثوب ، وظلّ الفتاة على الحائط ، والأرضية الممتلئة بأشياء كثيرة متناغمة ، وكحل عيني الفتاة ، والسوار الماسيّ حول معصمها الملائكي ، والسلسلة الملتفة حول رقبتها ، المدلّاة بكرستالةٍ على شكل قطرة ندى وصفائها ... ولكنّ الثانية .. عاريةُ .... 


يقطع العجوز حبل أفكار آرنو المتصل ، ليكمله بالحقيقة التي ظلّ يكتمها منذ عشرين عاماً أو يزيد :

•    .. عارية....متجردة عن الأشياء .. كل الأشياء التي تعوق العين من التمتع بتفاصيل جسدها ، إنّ اللوحة لا تتيح فرصة الإنشغال بغير الفتاة ، لا سماء مزرقّة يشوبها غمام جيّد الصنع ، ولا قمر ليلةٍ مثقوبة بالنجوم ، ولا أرضٌ خضراء ، أو بيضاء تتراص عليها لآلئ لامعة .. فقط فتاة عارية متمايلة لا يخفى عن الرائي أي تفصيلة من تفاصيل جسدها المتناسق .. إنّ اللوحة اليمنى هي الأجمل يا آرنو ، هكذا تقول الطبيعة ، تقول بديهية العقول ، لكنّ آخرين استطاعو أن يجعلونا نحب الأخرى الممتلئة بالماديات ، الآخرى التي تجذب النظر الراغب في معرفة ما تحت الثوب .. هكذا هو العالم – الآن – يا أرنو ، الأشخاص يحبون البحث عن الأشياء الزائفة واقتنائها ، وإن كانت الحقيقة المطلقة تربض أمامهم ، تنتظر ملتقفاً لها ، كما اللوحة اليمنى ، الأشخاص يبحثون ويسعون لاقتناء الأشياء الكثيرة ، حتى فقد كل الأشياء أي جمال قد يبرز منها .
اسمعني جيداً يا آرنوند الرأسمالية هي أكثر شيئ مفترس ، أكثر الشر شراً ، وهي الأجمل والأكثر لمعاناً ، لكنها مجرد بلاستيكية لا تحبها الطبيعة .. يا آرنوند الطبيعة لا تحب الرأسمالية .. الطبيعة تكرهها .



يركض آرنون عشوائياً تجاه باب الكوخ ، بوابة الحوش ، إلى باب بيته .. يركض وهو يرجوا أن يكون لركضه أثر في نفض بعضٍ من الأفكار التي تدور متسارعةٍ في عقله ، مختلطةً مع حديث العجوز الذي يتكرر في عقله بصوت يرتفع تدريجياً : الطبيعة تكره الرأسمالية .. الرأسمالية أكثر الشر شراً .. هي مجرّد بلاستيكية لا تحبها الطبيعة ..
ينقض على سريره ودون أن يعير فكرة أنه باهت رغم أن والده قد أعاد صبغه بالأمس ، ينقض على السرير وهو يحلم لو أنّ بالإمكان أن يتقيئ ما سمعه من العجوز ، أن يتقيئ الأفكار ، أن يتقيئ عقله .


(4)   
آرنوند في الطائرة نحو مِصر للسياحة ، ولأنه قد يجد أجوبة سؤالات كثيرة تلح على عقله ، ربما سيجدها في سفح الهرم ، أو في ساحة الأزهر ، وربما في حواري إحدى العشوائيات .  تعود الذاكرة بآرنوند لحديث العجوز الأبله الذي قرر آرنوند أنه كذلك ، وأنه أكثر الماديين مادية ، والرأسمالي الأكثر بشاعة .. لقد جفى جمال اللوحة اليسرى وإبداع تنسيق ألوانها ، لأجل لوحةٍ صماء تذيعُ العُهْر . المادية البشعة هي ماديتك أنت أيها الجشع .. ؛ يقول آرنوند .

(5)   
في ليلةٍ من ليالي الحسين وفي إحدى مقاهيه يتعرف آرنوند على الشيخ صابر ، ويحتسون الشاي معاً ، وحين قام وغادر الشيخ صابر دعى آرنوند غداً لسهرةٍ في ساحة الأزهر مع جمعٍ من المشايخ زملاء الشيخ صابر .

وتيرة الأيام ، وأنغامها تختلف ، ومذاق الأشياء كذلك صار مختلف ، ونسمات صبابة الفجر رائعة تحمل ريح أنداء تتقاطر على ورد اللوتس الأبيض ، هناك شعور قوي داخل آرنوند أنه في الطريق الصحيح لإجاباته ، خصوصاً  بعد الدعوات التي أسمعه إياها الشيخ صابر ، ومجموعة الكتب . يشعر كأنه يستقي المعرفة ، أكثر الأشياء دلالة على أسباب وجود البشر .

( وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون ) .. سيؤمن آرنوند بذلك إلا أنه يحتاج إلى دافعٍ معرفي لتفسير أنّ سبب وجودنا هو عبادة الله . هل يجب علينا أن نعبد الله ؟ ألا يكفي أن نعرف أكثر ؟  .. يتسائل آرنوند .. ونيتشة الفيلسوف الأديب الألماني يجيبه ( الله هو الله لأنه يعلم ) ، الله يعلم كل الأشياء ويضع الأقدار – بعلمه – عوائق أمام طريقنا للمعرفة . لقد أدرك آرنوند جيداً أنّ المعرفة شيئ فاضل إلا أنها تكشف الحقيقة التي يصعب تقبلها ، لأجل أن الأفراد جيدون في القولبة ، وجيدون في النظر إلى الأمور كما تبدوا ، حتى أنها إن طرأ عليها تغير يمتعضون لأجل أنهم ربما سيضطرون للبحث عن أسباب التغير ، لكنهم في الحقيقة لا يقومون بذلك .. إنهم يكتفون بالتأقلم مع تغير الأشياء .

(6)   
على حصىً رمادية حادة ، في طريقٍ فسيح بين سلسلتين عظيميتن من الجبال يسير آرنوند أو عادل آرنوند كما صار يعرف بين أقرانه في الشيشان .. يسير على الطريق مستقلاً حافلة يقودها سائق احدى كتائب الأمير " أبو مالك "  ، وبصحبته نفرٌ من المجاهدين العرب والقوقازيين متجهين نحو ثكنةٍ للروس قوضها مجاهدوا كتيبة أخرى .
كانت مجموعة عادل قد تلقت إشارة إستغاثية من أحد المجاهدين ، ولما تأكدوا أخبرهم قائد الكتيبة أنهم انتصروا وأن جنوداً روس قد هربوا إلى قاعدة عسكرية على بعد مئات الأميال ، ولولا أنهم مثخنون بالإصابات والجروح العميقة لهرولوا خلفهم وأسروهم ، كالجنديين المأسورين ، إلا أن مجموعة عادل حين وصلت لموقع المعركة وجدت جثثاً كثيرة لمجاهدين ، وجثثاً لسيدات قوقازيات ، عددٌ يفوق العشرة للنساء فقط  .. سأل آرنوند قائد الكتيبة عن جثث النساء فأخبره أنهن كنّ أسيرات لدى الروس ، فلما ابتدت المعركة جعل الروس منهنّ دروعاً بشرية أمام الرصاص  . هرول آرنوند ليبحث إن كان من أسيرات أو أسرى آخرين ، داخل خيمة خضراء ، وجد آرنوند باب حديدي صدئ لقبو ينبض بالحباة المسلوبة .

(7)   
صار عادل آرنوند شخصاً آخر بعد أن فتح باب القبو ؛ النساء القوقازيات عاريات بالأسفل في القبو العطن ،يسندن ظهورهن المتقرحة على جدرانٍ ملأى بالفطريات ، ويجلسن على أرضية مملوئةٍ بالماء حدّ كفٍّ ونصف الكف . تكونت غشاوة من الدموع حراقة وشاب وجهه عمراً كعمره فوق عمره ، وصدى في عقله صوت قديمٌ يردد كلماتٍ يعرفها جيداً : أكثر الشر شراً .. 
استعاد آرنوند نفسه بعد برهات قليلة ونادى الجنود بكساءٍ للنساء . ومضى .

(8)   
فوق صخرةٍ ناتئة من جبل متموجٍ بين الأبيض والرمادي جلس آرنوند ، وجلس ينظرإلى السماءوقد اعتراها وشاحٌ أحمر يغمض  عن الأرض نور الصباح ، ليجلي السماء لليل الكحلي ونجماته وقمره الذي أتم الكمال .
كان يفكر .. آرنوند المسبهل لم يعد كذلك ، وربماجعله ذلك يفقد الرغبة في المعرفة ، أو أنّ المعرفة أفقدته ميزة أنّه مسبهل ؟

تذكر آرنوند حين قال له العجوز : أنت يا آرنوند مسبهل لأنك باحث .. أنت باحث ذو قلبٍ طيّب .. ما معنى أن يكون باحثاً ذو قلبٍ طيب ، ولما كان لون السرير باهت ، وحائط الغرفة ، ولما كان يشقى لإدراك قيمة الأشياء ، ولما لم تعد أشياءٌ كتلك تمرّ به ؛ ألوان باهتة ، والشقاء في إدراك قيمة الأشياء ؟
لما تحتل الدول بعضها ؟ لماذا الروس يحتلون الشيشان ، لماذا يصرون أنها ملكهم ، كما كان يصرّ الإنجليز أنّ بلجيكا إحدى أملاكهم ، لماذا تحتل أمريكا الدول ، ولماذا قسّمت دول أوروبا الشرق الأوسط بينها ، ولماذا يصرون على تملكه ؟ لماذا الفقراء مضقعوا الفقر ، ولماذا الزيف والبُهْت منتشرين ، ولماذا في الحقيقة نعبد الله ؟
أمام القمر المطل على معسكرات تدريب المجاهدين المقاومين للعدوان على أراضيهم ، وعقائدهم ، والماديات التي هي من حقهم . أمام ذلك القمر المكتمل تتقابل حبال الأفكار لدى آرنوند ، الحبال التي لطالما كان تطول وتكثر أفكارها التي لا يغلبها إلى الإرهاق من حثرة جلبها من أعماق العقل ، الآن تتحد ، لتنسج شبكةٌ ساهمت كل الحكايات ، والأحداث ، في نسجها ؛ العجوز ، والأقران والأصدقاء ، وجينيامن ، والأشياء والألوان الباهتة والمراكز التجارية ، وجدول المياه ، ومدينة " أونتويرب " . رسم آرنوند شبكة الأفكار كلماتٍ على ورقةٍ طواها في جيبه :

لماذا لم أعد أشعر ببهت اللون الأزرق كل صباح ، ولما لم أعد مسبهلاً ، ولماذا أعبد الله ؟
إنّ كل الأشياء التي نمارسها كعبادات هي تحررنا ؛ الصلاة تحررنا من قيد الإهتمام بالشكليات التي فرضت علينا ، تحررنا من الحياة لترتقي بنا ساعتها إلى الإتصال بالروح ، لا بالمادة ، تحررنا من قيد الأفكار  المادية الجشعة السخيفة ، والزكاة تحررنا من قيد المال ، إنها تحرر قلوبنا من قيد المال لنتحول من كائنات تمسك المال ، لا المالُ يمسكها ، الزكاة ممارسة عملية للعدل ، وتأكيدٌ على نبذاستيلاء المادة على نفوسنا . وكذلك الصوم ، وحتى الحج ، الذي نتجرد فيه من كل شكال المادة القهرية ، التي تقهر نفوسنا بتراضٍ لتستولي عليها ، في الحج نتحرر من تلك المادة ،ونعود للطواف جماعةً عظيمة بقطعتي قماش منسوج ، وليس مطرز ولا يحمل أي لون ، ليبرز طهارتنا ، وليبرز حريتنا من قيد المادة .
لماذا يجعل الله أعلى الثواب رؤيته ؟ ولماذا لم يجعله ثواباً مادياً ؟ ولماذا يليه من درجات الثواب المعرفة ، أن يعرف الإنسان أكثر ، أن يصل الإنسان إلى المعرفة المطلقة بعد معرفة الله ؟ ولماذا ينزع الله عنّا البشرية المادية التي تبتعد عن التلذذ باالمادة من الإنغماس فيها ، فلو ظللنا كما نحن لمللنا النعيم في الجنة ، ولكن الله جعل قدرتنا على التلذذوتفسير الثواب أعمق من أنه مجرد مادة  نستكلها .

الله فعل ذلك ، وثبت المجاهدين أمام المغتصبين للأرض والمال والعرض .. لأنّ الله يكره الرأسمالية .

(9)   
بعد تحقيقات مطولةٍ في أحداث التفجيرات التي هزت العالم ؛ تفجير المركز التجاري في مدينة " أنتويرب " في بلجيكا ، ومراكز تجارية أخرى في المدن ؛  باريس ، لندن ، موسكو ، طوكيو ، القاهرة ، وأيضاً برجي التجارة العالميين في مدينة نيويورك الأمريكية ، لقد مات خمسة آلاف ، وانهار المبنيان تماماً  ، توصلوا إلى الشخص المتهم في سلسلة التفجيرات المتلاحقة ، توصلوا إليه يرقد بسلام على نتوء صخرةٍ من جبل قوقازيّ ، يرقد وهو يبتسم للكون ، للآخرة ، للعبيد .يبتسم وهو مشبك أصابع كفيه على صدره وبينهما ورقتان إحداهما للأماكن التي حدثت فيها التفجيرات ، مرسومٌ عليها دوائر حمراء ، والورقة الأخرى مطوية ثلاث مرات ومكتوب عليها : الله يكره الرأسمالية .

هناك تعليقان (2):