06 ديسمبر 2010

الذين يعيشون أبد الدَّهر تحت السحاب




ثلاثة أشخاص يقطنون فوق النجمة الكبيرة التي تطل على السحاب ، فقط السحاب ، لا تجيد إشعاع نورها إلى ما هو أسفل السحاب ؛ هكذا قال الناس عنها ، وقالوا أنها نجمة عاجزة عن رسم البسمات ، وأنها لازالت تنمو ، إنها - كما يتحدث الناس - نجمة قاصرة ، حزينة ، إنها بلا أدنى فائدة تجيز وجودها .


يتحدث " كتَّاب " أحد الثلاثة من الذين كانوا يقطنون فوق النجمة فيقول : النجمة كامرأة مختالة مزهوة بجمالها ، و بحسنها . إنها ترأف على الناس من فيض جمالها .


ويقول " شابث " الثاني من قاطني تلك النجمة : النجمة جنة الله في الجزء الذي يلي السماء الأولى مباشرةً .


أما " ريَّان " فيقول : سأظن مختالاً بقدرتي على تكوين الخيالات أنها نجمة قاصرة ، وأنها بلا أدنى فائدة تجيز وجودها كما تقولون . وسأتخيل أن الكون بدون هذه النجمة بالذات ... الحقيقة أني لا أجيد هذا الصنف من التخيل ، أقصد الجزء المتعلق بكينونة الكون بدون النجمة ، كأنه حلم من بوتقة الكوابيس ، إنه حلم عادي ربما يميل للحسن لأنَّ الناس سيكفون عن نقد الجمال ، وأي جمال جمالها . إلا أنه كابوس مفعم بالبؤس لأن شيئاً وجودياً كهذا يعطي أملاً مستمراً لأصحاب الأحلام اللاوجودية لتحقيق أحلامهم .


يتوقف حديث الثلاثة .

والناس لا يزالون يلكون التشدقات ، أنا من جهتي كراوٍ لإحداثيات هذه القصة ولكل الآراء المذكورة فيها  لا يجيد عقلي إلا الميل لحديث الثلاثة لأنهم الأكثر علماً بها . إلا أني كراوٍ أيضاً لابد أن ألتزم بالحيادية في رواية تفاصيل تلك القضية لذلك سأعرض ما قاله بعض المتشدقون الأفذاذ .


يقول " مفحم " وهو مؤلف كتبٍ تنال قدراً كبيراً من الشهرة بين الناس ، وتباع منها نسخ مليونية . إنه يقول : وفقاً لتقارير الثلاثة القاطنين فوق النجمة " الهلامية " نرى أن نجمتنا تلك أسطورة أفلاطونية ، ولكن وفق سجلات الثلاثة نجد أن أحاديثهم أيضاً هي أساطير لا عقلانية ، وفي ذلك دليل قاطع ؛ إذ أن الثلاثة - بتقرير مشفى ولادتهم - مصابون في عقولهم ، والثلاثة لم يكملوا تعليمهم ، والثلاثة أثاروا القضايا التي بموجب إثارتهم إياها نفوا إلى تلك النجمة .


وقال أيضاً من المتشدقون " أربح " : إن ثلاثتهم لمّا بعثوا بتقاريرهم التي نالت صيتاً وسط الناس وروجت لها الصحف ، كانوا يسكرون ، كما طبائعهم ، ثم إن الصحف التي روجت لتقاريرهم هي صحف تحمل كل الألوان إلا لون الحقيقة ، إنها صحف للإثارة ، ونخل عقول الناس ، وتجويف قلوبهم لتكون لوفاً يمتص إثاراتهم المهترئة .


يتم حديثهم إلى هنا ، إلا أن الكثيرين أيضاً كانوا لهم آراء مشابهة ، لكني حقيقةً لم أجد أكثر تركيزاً من هذين الرأيين ، ثم إنهما لاثنين من أعاجيب حالة التثقف النامية ، و لهما باع طويل في مجال التحقيق في القضايا الفكرية المثيرة للجدل ، وكلٌّ منهما له صيته .

الناس انقسموا على أنفسهم ، فمنهم من نالت آراء المتشدقين من عقولهم ، ومنهم من اعتدَّ بالتقارير الثلاثة إذ أنها من أشخاص يعايشون الأوضاع في الأعلى ، وظلت فئة قليلة تقبع في الوسط بين الفئتين تلتزم الحياد مجبرة إذ أن لكل فئة من الفئتين أدلة على ثبوت صحة ما يقرُّون به ، فمثلاً حين يقول المعتدون بالتقارير الثلاثة ؛ أن الثلاثة هم أكثر الناس قدرة على وصف حال النجمة إذ أنهم يعيشون على سطحها ، ترى الآخرين من المتثبتين على رأي المتشدقين يقولون قولاً يبدوا عقلانياً للغاية وهو : إذا كانت النجمة بكل هذا الوصف من الجمال والحسن و البهاء ، وكأنها كاملة ، لما لا تطل بنورها إلى ما تحت السحاب ، لما اكتفت أن يظل نورها ودفؤها فوق السحاب ؟
عند هذه النقطة الجدلية وقف الفريق المؤيد للثلاثة قاطني النجمة ، وقف الفريق وكأنه بدا عاجزاً عن الرد ، لا يحمل أي سلاح يلوح به ، وقف وكأن بوتقة الجدل عنده نفذت سهامها ، وكأنه ينظر نحو السماء يرجوا من الثلاثة القاطنين فوق النجمة أن يبعثوا تقارير أخرى يردون فيها على القذف الحاصل من الفئة الأخرى ، خصوصاً وأن الفئة الأخرى صارت تتملك الأوضاع ، فالمتشدقون لايفتؤون يكتبون المقالات ويعلنون من المؤتمرات زيف التقارير الثلاثة المبعوثة من النجمة ، لتقل فئة الوسط المحايد ، ويزداد المتثبتون بآراء المتشدقين ، ويظل المعتدون بالتقارير في مآزق متتالية ، حتى يشعرون وكأنهم قد حوصروا .
حتى أن البعض من المعتدين بالتقارير قد أذعنوا للواقع ، وانسحبوا من نضالهم عن فكرتهم ، وبقي القليل فقط من الثابتين على موقفهم ، يقيمون المظاهرات والوقفات المنددة بالطغيان على رأيهم ، ويعتصمون كل فينة والأخرى عند مقرٍّ نظامي ، أو في الشوارع العمومية و عمِلوا على إعادة نشر قضيتهم والتروي لها وسط الناس ، فطبعوا المنشورات ووزعوها ، وأقاموا التحالفات مع المحايدين ، وجابوا المناطق كلها ليوعوا الناس بصحة التقارير .

وكانت في تلك الأثناء قد أعلنت الأجهزة النظامية قانوناً يحرم الحديث في التقارير وصحتها ، واتخذت موقف فئة المتشدقين وجعلته الموقف الرسمي ، وأعلنت أن التشكيك في صحته يعاقب عليه بالسجن أو بالإعدام إن نال التشكيك منالاً عظيماً من رأي المتشدقين .

وطورد الذين كانوا يهتفون باسم التقارير ، وكل التنظيمات التي أقيمت للنضال لأجل التقارير فضت بقوة أجهزة الأمن النظامية ، واعتقل الكثيرون وأعدم البعض ، ونفي البعض إلى ما دون النجمة ، وظل الوضع يتفاقم ويزداد سوءاً ، حتى كادت البلاد تخلوا من أي شخصٍ كان يشار إليه بالبنان على أنه مناضل لأجل التقارير ، فإما معتقل أو معدم أو منفي أو محتجز في منزله ، والمعتقلون غالباً ما كانوا يلقون حتفهم ، والمعدمون يتفنن في إعدامهم وأمام الملأ لبث الرعب في قلوب المحايدين أو المشككين سراً ، حتى أن المحايدين فضوا كل تحالفٍ أقاموه مع المناضلين ، وأعلنوا أنهم قد أغلقوا مِلفَّ الحديث حول النجم . ولم يهدئ المتشدقون رغم ذلك فنزلوا إلى الطرقات يغتصبون أملاك المحايدين ، وينتقمون من أبناء المناضلين وذويهم فيحرِّقون أملاكهم ، ويقتلوا الكثيرين منهم وكانوا يتلقفون فتياتهم ليلاً فلا يعلَم عنهن شيئاً بعد ذلك ، ويختطفون الأطفال فيقطعون رؤوسهم ويصورون ذلك ويعملون على بثه عبر كل وسائل الإعلام ، معلنين الحرب عن كل مخالف للمتشدقين .

لقد عاشت البلاد عهداً ما إن ذكر تذكر الناس الدماء والسواد ، عهداً لم ينجوا منه أحد من المناضلين إلا قليل من المنفيين ، إذ كانوا يغتالون حتى المنفيين .

في ظل تلك الأوضاع المأساوية ، وفي ظل حالة البؤس والدمار العارم ، وفي ظل القتل وتفجر نافورة الدماء التي لم يستطع أحدٌ إيقاف تدفق الدماء منها ، في ظل كل ذلك وفي الوقت الذي عمَّ فيه الظلام وأعلنت كل النجوم التي ساهمت في بث النور والدفء للبلاد وقفها للمساهمة حتى تتوقف تلك المهزلة وتضامناً أيضاً مع المناضلين . في ظل ذلك بعث كلٌّ من " كتَّاب ، و شابث ورياَّن " تقريراً يعلنون فيه :

" لم تبعث النجمة الساحرية بنورها أو دفئها لكم ، لأنها لا تفعل للذين يعيشون أبد الدهر تحت السحاب " .

هناك تعليقان (2):

  1. قصة ساحرة .. ورغم البؤس الواقع علينا يبقى الأمل بالله موجود

    ردحذف