22 أكتوبر 2010

رِتْمٌ سريع



الرتم سريعٌ للغاية . حمزة نَمِرَة بالأمس كان ضيفاً مهللاً له في برنامج "العاشرة مساءاً " وأتذكر أنه من ثلاث سنوات كنت أبكي تعاطفاً معه ، لأنَّ أحداً لا يريد أن يعرف من هو حمزة نَمِرَة ! . حتى في النسيان صار الرتم سريع أنسى بكثرة أنه ضروري جداً تناول وجبة الغداء  لأنها وجبتي الوحيدة التي أتناولها في المنزل ؛ أي أنها الوجبة الصحية الوحيدة لأنه بمنظور أمي ما " أَعُكَّه " من الخارج كالسنكر ، والسناكس سبباً لوفاة كل الناس الذين ماتوا من سلسلة الأربعينين أو ما يزيد وأحياناً من سلسلة الثلاثينين من الذين نعرفهم معظماً .

أنسى كثيراً أنه من الضروري الإجابة على هاتفي حين يصيح بأن أحدهم يريد محادثتي ، ربما أتناسى ذلك إلا إن كان المتصل شخصاً مختلفاً كنوع من تغيير المألوف تماماً ، المألوف في كل شيء ؛ في أوقات الدراسة ، والصحبة . هذا الكل شيء بالنسبة إلي في الوقت الحالي .

لا أحتاج إلى التسوق حالياً ولذلك لا أستطيع أن أغيِّر ولو لدقائق محيطي الذكوري بآخر من أي جنس آخر . لا أحتاج كثيراً التنقل عبر وسائل المواصلات الجماعية ، أنا في الحقيقة مضطر لفعل ذلك لأسباب وقتية بحتة في غالب الأحيان ، ولكن لو في يدي تقرير المصير في هذا الأمر ، أظن أني بين الفينة والأخرى كنت سأختار أن أمارس حياتي متنقلاً بوسائل التنقل الجماعي لعل المحيط بي في تلك اللحظة شخص آخر لا يحمل شعراً على ذقنه ، متأكدٌ أني في هذه الحالة سأكون أكثر ارتباكاً وربما سأزاول تصليح شعري الكثيف كل دقيقة ، والنظر الجهة الأخرى طوال الوقت أو بين قدميَّ أعدَّ الحصوات متناهية الصغر وحبات الرمل التي تداعبها اهتزازات السيارة ، سأفعل ذلك ، ولن أحاول تلقف نظرة لوجه الكائن اللاذكوري الذي يقطن بجواري ، ولكن أجزم أني سأشعر بشعور مختلف ، شعورٍ مشعشع ما بين السعادة الملثَّمة والآلام في مفصل يدي التي سأظل حريصاً طوال الوقت أن تكون قابضةً على كتف يدي الأخرى لتوخي الحذر قدر الإمكان كي لا يحدث تصادماً بيني وبين ذلك الكائن القاطن بجواري . الأمر صعب ولذلك أظنه سيعطي انطباعاً مختلفاً بالنسبة إليَّ سأسعد كثيراً لأجله .

ذات الرتم السريع هو الذي جعلني أتنقل بسرعة في قائمة الاهتمامات من " عصام فتحي " إلى " سيد درويش " الرتم من هذه النوعية متصل بشكل ما ، في الحوار القصير للغاية الذي دار بيني وبين عصام فتحي حين كنت في التاسعة من عمري تقريباً أو أقل تحدثَ بصيغةٍ كنت أراه يستثقلها رغم الليونة التامة في حديثه حين سألني كم أتممت من حفظ القرآن ، أظنني أجبته حينها في سورة ياسين ، فأثنى علي وقال أن ابنه كذلك فيها ثم سأل الله في ورقة أعطيته اياها أن يحفظني ويجعلني شيئاً ما جيداً . كنت فخوراً جداً أني قابلت " عصام فتحي " حتى أنه ظلَّ حديث أصحابي كلهم ، لن تصدقوا إن قلت أنه كان حديثاً للكبار أيضاً ، وكانوا يتناقشون إن كان " عصام فتحي " إخوان أم لا ، كان محمد عبد العزيز يؤكد أنه رجلٌ ملتزم لكنه ليس إخوان ، أما الأشبال فكانوا مصرين أنه من الإخوان لأن أشرف ثروت قال لهم أنه من الإخوان مثل أشرف زهران ، ومحمد نجيب ، وأنه قابل أشرف زهران وأهداه الثاني شريطاً له ، بالطبع مر الشريط علينا جميعاً كالعادة ؛ كان الشخص منا يشتري الشريط ليمر على الجميع ، وكنا نتلاهف لشراء شرائط أناشيد هؤلاء المنشيد والذين كانوا بالنسبة إلينا أساطير أنزل الله لها كل السلطان في مجال الإنشاد الملتزم ، لكنَّ ذات الرتم السريع جعلني أفضل " سيد درويش " على منشدين كان محمد عبد العزيز يحلم أن يصير مثلهم إذ كان يحمل خامةَ صوتٍ نادرة ، إلا أنَّ رتم الحياة السريع حوَّله إلى دخول الكلية التي لم يكن يرغب في دراسة منهجها ، وإلى العمل الذي لم يتخيل يوماً أن يؤول مآله إليه .
سيد درويش أو حمزة نمرة أو مارسيل خليفة أو شربل روحانا كلهم يتحدثون عن أفكار متلاصقة بأساليب متفرقة ومتقاطعة عند نفس التقاطع الذي يمكث فيه عصام فتحي وأشرف زهران ومحمد نجيب .

لازال الرتم السريع هو السبب وراء أن أتناسى الأشخاص الرائعين الذين مروا في حياتي دون أن أجرؤ على الحديث مع أيٍّ منهم ، وفي كل مرةٍ أمر بالجوار الذي كنا نتلاقى فيه مجبرين ربما ولكن وقتها كانت تلك اللقيا التي أجبر على حضورها كانت نزهة محفوفة بخطر الوقوع في خطئٍ يسيء من مظهري تجاه الأشخاص الذين بدوا كملوكٍ متوجين بريعان الظبى التي لا تترك فسحةً إلا وركضت فيها بكل عنفوانها وبراءتها وبكل ذكائها الذي جعل كل الناس المحيطين يظنون أنهم الأكثر أهميةً للظبي الملكيّ .

أترك الآن على مضض الحِمْل على الرتم السريع الذي أظن بشكلٍ متفائلٍ للغاية أنه قد يعمل على ترتيب لقاءٍ خاطف مع هؤلاء الملوك المتوجين ، مجرد لقاء أعبِّر فيه عن امتناني لأني فهمت جيداً من بعدهم أن الله جعل القمر محظوظاً حين جعله يَطِلُّ علينا من أعلى في الوقت الذي تقطن فيه أقمارٌ أخرى أكثر بريقاً بيننا ، أقمار يعكر صفوها أتربة حسَّاد وباغضون وآخرون يمارسون التملق طوال الوقت كعلكةٍ يلوكونها لإزالة أثر روائح أفواههم الكريهة ، أو الذين يقطعون الطرق عليهم كي يسمعوهم بعض الكلمات التي قد تغذي كبرياء تلك الأقمار ، وقد تصيبهم باشمئزاز .

إنه الرتم السريع سيد الموقع في هذه الآونة . 

ربما سأكمل مشروع التأريخ " للرتم السريع " في وقتٍ آخر ، وربما لا . ولكن كل ما يهمني في الأمر هو أني بحاجة شديدةٍ إلى أن يعبر الناس كل الناس - وخصوصاً الفئة الأمثل لممارسة الحياة ؛ فئة الشباب-  عن كل شيءٍ يرونه أكثر استحقاقاً للنشر من مجرد بقائه في خِزانةٍ مهجورةٍ في بدروم عقولنا .

رسالتي الأدبية في هذه المرحلة ، هي أن ينتقل كل شابٍ من مرحلة  النظر إلى المستقبل بعين متلهفة إلى مرحلة الوثوب نحو المستقبل . نحتاج إلى ذلك بشدة ، نحتاج إلى ممارسة للحياة لا تملك يأساً . وربما قادرة على المروق من خلال رتم الحياة السريع ! .   

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق