23 سبتمبر 2010

أحمر فاقع لونه (5)


 غادر الصديق ، والأيام تسير برتابة وملل مفعمة بالحزن الكثيف المرسوم على وجهي بابتسامة تَدّعي الرضا ، ما تلبث أن تُستمال من قبل مشهد في شاشة الذكريات ، فَتُقَوِّسها دمعة حرّاقة تؤكد أني ربما لن ألقاه مرة أخرى حيث فكرتي حول الموت معقدة ترفض أن أتخيلني بفروة رأس بيضاء ، فبكل الأحوال لن أضطر لصبغ شعري بالأسود ، أو البني كما كنت أتخيل أن شعري كان بنياً حين كنت صغيراً . يا الهي !! .

لكن لازال هناك أمل لأن نتلاقى ، ربما يوم الحشر يا أسامة ، حين نصير عراة نمارس اللاشيء سوى أن ننظر للحاجيات الكائنة أمامنا . من المؤكد أن هناك شيء ما سننظر له في الوقت الذي يغطينا فيه السائل المالح بقدر خطايانا ، وثلةٌ منا سَتَحْفُوا خلف الأنبياء ليشفع منهم نبي عند الله ؛ فقط ليبدأ الحساب . لن يشفع لنا إلا الذي يدرك أنه بمقام الشفاعة ، كل الأنبياء حينها يقولون نفسي نفسي ، وأنا وأنت ، ولن يضيرني منك أن تقول ذلك ، يرضيني فقط أن لا تنساني إذا ما افترقنا واتخذ كل منا سبيلاً خلاف الآخر . إذا ما سلكتَ الصراط اليمين ، ذلك المستقيم ، واتخذتُ أنا رغم أنفي الطريق الأيسر . إذا ما قال لك الله ؛ أخرج منها من تعرف . في هذه الأثناء لا تنساني ؛ فقط لنتقابل ونمارس الأحلام المبعثرة التي كنا نخطُّ لها رسماً ، نتخيل فيه أننا في قصر زمردي ، رغم أننا لم نكن نعلم ما الزمرد ، وحولنا حديقةٌ من الجُمّيز ، وزهر عباد الشمس ، حولها الكثير من بذورها ، التي تعشقها ، وكنت تتساءل دوماً : " أيوجد بالأعلى بذور عباد الشمس ؟ " .
يوجد الكثير منها بقدر الصلة فيما بيننا ، بقدر غربتك ، بقدر مكوثك وحيداً تداعب أملاً بحبات خرزٍ أحمرٍ ربما تثير في نفسك شيئاً تجاه الذكريات ، فَتُحمل إلى الشوق للأيام التي كنت تتسامر فيها بلهجتك ، الأيام التي كنت تداعب فيها الحياة بلونها الطبيعي دون أن تتصنع المرح لتتماشى حياتك بجوار حيوات الآخرين من الذين يقحمون أنوفهم في حياتك . الأيام التي لم تكن تضطر فيها أن تراسل أحدهم ليبعث لك بذور عباد الشمس .

الآن وأنا أخاطب نفسي أتذكر بعض الكلمات التي كنت تظل تكرر نطقها ، وتضحك بشدة حتى تبان نواجذك . كنت تضحك لأنك كنت تَدّعي أنك لا تفهمها ، وأنها ساخرة للغاية . تدعي نفي تجاوبك مع ممارستها ، إلا أني تأكدت أنك أكثر الناس تجاوباً مع ممارستها ، حين أدمعت مقلتيك في آخر لقاءٍ لنا في الدنيا ، في الوقت الذي كنا نتصافح فيه ونتحاضن ، كنت أشُدّ عليك ، ثم أتركك ، وأصافحك مرةً أخرى ، ثم أتركك ، ثم أصافحك للمرة الثالثة ، وقتها كان صوتٌ خفي يطن في أذني : " لن تلقاه بعد عامٍ وشهر " . سأموت هذا العام !! . وسأتذكر كل الأشياء ، سأتذكر وقت سافرنا ، وفي اليوم الذي أغضبتني فيه ولازلت أقول للناس أنك رجل من النوعية الفاخرة ، وفي اليوم الذي أخبرتني فيه أنك تشتاق إلينا كثيراً وتخوض بنفسك في أشياءٍ لا تحبها ولكن فقط لتنسى أنك تشتاق إلينا . أتعلم ؟ نحن أيضاً نشتاق إليك . وأنا سأنتظرك ، وأنتظر دفعات الحسنات التي ستقدمها بدلاً عني إلى الله ، ليخفف عني العذاب في زَنْقَةِ القبر وأنا مغطىً باللحاف .  

هناك 3 تعليقات: