04 مايو 2010

الحب في زمن " ما بعد " الكوليرا



أفيق من نومي على نعيق غراب قبيح يغطي السواد كامل جسده إلا دائرة دقيقة حول منقاره المدبب الذي يطل به من خلف سلك نافذتي الخشبية ..

أفيق من كابوس المنام إلى كابوس اليقظة ، حيث ازدحامٌ في الركن الأيسر في غرفتي جراء انهيارٍ في خزانة ملابسي ، وضوضاء تصم الأذن من الزقاق الخلفي الذي تطل عليه النافذة الأخرى فوق سريري مباشرة ، وضوضاء الجرذان في بالوعات دورة المياه ، والمطبخ ، وكومة من الإسطوانات المدمجة لفيروز وروحانا ، وريم البنا ، وجوليا بطرس ، وحسيان .. وكومةً أخرى أقل قدراً وقيمةً لحسين الجاسمي وإليسا وجنات .. أهدتني إياها تلك الفتاة التي بنيت عليها صرحاً عظيماً من الوهم المحرم كصرح فرعون الوهمي .

أعتدل في هيئتي ؛ أجلس القرفصاء ، محني الظهر ، موغر العينين اللتين تبتدرين سواداً كسواد الغراب بشكل هلالي أكثر تقوساً في جانب التقاء عينيَّ بأنفي . أنظر إلى اللاشيء من حولي . الجدار بلون الإسمنت ، والنافذة فوق سريري تطل على زقاق يكثر فيه فعل الكلام الذي يبدر من صورٍ هلامية لمخلوقات أتخيلها طوال الوقت دون أن أفكر في رؤية شيءٍ منها . والنافذة الأخرى تطل على شارع عريض ، على الطرف الآخر منه بناية بطابقين مسكونة بالأشباح ، أكثر الأشياء دلالةً على فكرة الموجودات الهلامية ، وعلى يسار البنايةِ شجرة عظيمةٌ أحالت الشارع المتقاطع مع الشارع الرئيسي إلى ثكنة من الغربان التي يكثر نعيقها في أي الأوقات ، فقط حين تشاء ، أو حين تداعبها الأرواح الخفية الشريرة الهلامية التي تقطن البناية ذات الطابقين التي تطل على الطرف الآخر من الشارع الذي تطل عليه البناية التي تقطن في احدى أدوارها شقتي البائسة .

ألتقط قميصي الرمادي البالي ، وفرشتي ، والمنشفة ، أتجه صوب دورة المياه ، أمر قبلها على المطبخ كي ألقي تحيتي الروتينية على الجرذان ، وأطعمهم بعض الخبز اليابس ، الذي كان في يومٍ من الأيام مشروع خبزٍ مسممٍ للقضاء على تلك الجرذان . الحقيقة أني الآن ألفت الجرذان ، وربما يمسني مسٌّ من هستيرية الحزن إن فقدتها ، رفيقتي الوحيدة في شقتي ، أو شارعي كله ، هي و " جوليينا " الفتاة العجوز ، أو العجوز الصبية .. سيدةٌ في الستين من عمرها تجيد مداعبة الزمن وتدليله كصبية تداعب هرتها .

امدد جسدي الشبه عاري بداخل حوض الاستحمام ، افتح صنبور المياه الدافئة ، امد يدي اليسرى نحو معطفي الأسود المعلق منذ أمد على علاقة الملابس في دورة المياه ، أخرج رواية " الحب في زمن الكوليرا " لماركييز ، أتوه قليلاً في خضم الأحداث ، أسترجع إرشادات الطريق داخل الرواية ، أتفهم جيداً أن ماركيز أراد رسم صورة للإخلاص في الحب ، دون أن ينزهه بشكل ملائكي ، " ففلورنتينو اريثا " كان عربيداً أيضاً . إنها المرة الثالثة التي أقرأ فيها الرواية ، أحاول جاهداً أن اتوصل إلى المغزى الخفي من الرواية . أصل إلى الصفحة التي تقرر فيها " فيرمينيا اديثا " أن تترك عشقها ، لعشق عشيقٍ أكثر واقعية ، وذو ملامح أكثر وضوحاً . اسجل رقم الصفحة في ذهني ، وانهض من حوض الإستحمام ، التفت للمرآة التي يأطرها الصدأ ، أنظر إلى طيفي في المرآة ، أدرك جيداً أن هناك خطأً ما في كيمياء دورة المياه يظهرني في المرآة بتجاعيد رجلٍ تخطى العقد الرابع ببضع سنين .

اجفف وجهي من قطرات الماء التي أصابته جراء انهمار الماء من الصنبور " الأحمر " ، اقرب ماكينة الحلاقة من ذقني ، ينتابني حينها شعورٌ خفي بأن الذي يطل من المرآة روحٌ من تلك الأرواح التي تقطن البناية المقابلة لبنايتنا ، أعاود تدقيق النظر في المرآة ، لأكتشف وجود شامةٍ أسفل شفتي السفلى ، لا أعيرها انتباهاً ، فحتى عيناي يزداد التجويف حولهما ، ويزداد تحديب أنفي ، وتقلص وجنتاي ، حتى صرت شبه مدركٍ لحقيقةٍ ظلت خفية علي طول الدقائق الماضية ، وهي أني في حلم ، أو أن خمساً وعشرون عاماً قضيتهم على فراشي المتهالك نائماً .
أقرر حينها ترك الشعر - الذي أحاله أمرٌ ما لا أدرك حقيقته إلى اللون الأبيض – على ذقني ، لأعود مرةً أخرى إلى غرفتي ، وأستوطن الكرسي الوثير في الركن الأيمن في غرفتي وأشرع في إكمال قراءة رواية ماركييز . تدور الأحداث على وتر ترك " فيرمينيا اديثا " لـ" فلورنتينو اريثا " محبوبها التي توصلت فجاءة إلى كونه مجرد طيف غير محدد الملامح ، وإلى ضرورة البحث عن محبوبٍ آخر أكثر وضوحاً . أتوصل إلى شيءٍ يصيبني بارتياب ، أن كل الناس تجاهلت خطيئة " فيرمينيا اديثا " وتحقيقها لقرارٍ ثنائي بشكل فردي أناني ، وتركها " فلورنتينو اريثا " عشيقها لسنواتٍ ثلاث ، عشقها الذي فصل بينها وبين ملامسة باطن كفها لباطن كفه مئات الأميال ، وسنواتٌ ثلاث ، وطدت كل ساعةٍ فيها علاقتها بقلبه ، ووطنت كل ثانيةٍ فيها قلبها في قلبه . تركت محبوبها دون أي مقدمات ، فقط لأنها تخيلت أنه خيال ، أو وهم ، أو فكرةٌ هلامية للحب الذي لابد من إعادة صياغته في ما بين أضلعها . هذا هو المفهوم الغائب الذي يريد ماركييز إيصاله من خلال روايته ، وآخر يتعلق بإخلاص " ففلورنتينو اريثا " لفكرة الحب ، حتى ناهز العقد السبعين ، أو ربما أراد ماركييز أن يُوصل مفهوم الإخلاص لفكرة الإخلاص ... في النهاية نال " فلورنتينو اريثا " " فيرمينيا اديثا " وكلاهما يداعبهما العقد السابع ، يخوضان النهر ذهاباً وإياباً على اليخت الذي أشاع " فلورنتينو اريثا " أن مرض الكوليرا " المعدي " متفشٍ فيه .. تجاهل الناس تلك الخطيئة وخاضوا في غمار الرواية .

أطوي الصفحة الأخيرة من الرواية بعد أن قررت كتابة تعليق فيها على الرواية ، وأن أدرج فيه إدراكي للمفهوم الخفي من وراء هذه الرواية ، أقرر أيضاً أن لا أفيق من كابوس المنام إلى كابوس اليقظة .. أرتب ملابسي ، والإسطاونات ، وأضع الرواية في أسفل الحقيبة ، أقرر توديع الجرذان ، والغربان والأرواح الشريرة ، والروح التي تقطن المرآة المأطرة بالصدأ في دورة المياه . أغادر الشقة والبناية ، والشارع ، ، أودع الحي ، وبيت الأرواح والشجرة، أقبل ما بين عيني " جوليينا " أُودِعُهَا محبتي في قلادةٍ حفظتها لفكرة " وهميةٍ " عن الحب ...

(2)

الآن أشرع في كتابة التعليق على رواية ماركييز .. أخط وأقول : " المضي إلى الحاضر المختلف من خلال الثغرة بين الذكريات والمستقبل .. هذا هو المفهوم الخفي "

هناك تعليقان (2):

  1. الوصف ابهرني... حقا تدوينة مميزة

    سلام

    ردحذف
  2. مرور يشرفني

    سلام (:

    ردحذف