30 مارس 2010

قصة قصيرة ( دنيا السراب )

كانت قصتي هذه احدى الأعمال المشاركة في مسابقة مجلس وزراء الشباب العرب في الدوحة عاصمة الثقافة العربية للعام ..

الآن آن آوان نشرها ...


دُنْيَا السَّرَابْ

" الحشيش ليس بتلك الجودة المطلوبة.. القليل من البانجو أفضل منه بكثير..... الأفضل ارفع هروين.... يَعمل دماغ تمام "

لم يدري باسم أنه ربما يساق إلى مثل تلك الطريق.. ولكنه أيضاً كان يدري أن جلَّ اللوم لا يرمى على عاتقه، فأبواه لم يستوعباه جيداً.. بل لم يستوعباه بتاتاً.

باسم من أسرة ثرية.. وحيد أبويه، هو فتىً في منتهى الذكاء، له ميول أدبية.. يصوغ الأدب كأمهر صائغ مجوهرات.. يقرأ كثيراً، يجيد التحدث والتناظر والمناقشة.. السياسة تملكت هواه، و الأدب و الثقافة.. هو فتىً موهوب بفطرته.

ترك باسم عائلته نحو الجامعة لإتمام دراسته.. إلا أن مصير حياته رُسم على غير ما يريد.. أجبره والده على دراسة الهندسة كي يعاونه في أعماله العقارية بعد تخرجه، رغم أن باسم لا يهوى الهندسة بتاتاً.. لربما صار ذو شأنٍ إن أكمل دراسته في المجال الذي يهواه.

انصاع لأوامر والده.. فرغم الكبت الذي يعانيه من أبويه إلا أنه يسعى جدياً إلى برِّهما.. فأسرته أسره متدينة.. علم هو بعد ذلك أنه مجرد تدين صوري، أو كما يسميه هو " سَعْوَدَة ".. صار مؤمناً تماماً أن الجلباب و اللحية، والطاقية ليست سوى مظاهر سعودة ظنها الناس لبنات التدين.. ففي حين أن والده "شيخ " إلا أنه يسيء معاملته.. بل والأمرّ أنه يسيء معاملة مرؤوسيه في العمل، ووالدته " المنقبة " تسيء معاملة الخدم .. وتقسوا عليه كثيراً؛ إذا تعاملت معه.. فغالباً صلة القرابة بينهما مجرد صلة رسمية لا تمت إلى الواقع بصلة.. تمر أياماً لا يرى أمه فيها ، ووالده نادراً ما يراه ، فهو في سفرٍ دائم بسبب ظروف عمله " القهرية " ( يقولها مستهزئاً ).

لم يكن عسيراً عليه التأقلم مع الوحدة في سفره، فهو مذ ولد في وحدة .. يتملكه شعور بالانفصال الروحي عن الأسرة بكل أشكالها.. لذلك حين سافر رفض أن يشاركه أحدٌ في مسكنه واختار الوحدة أيضاً .. بدا له أن التجانس بينه وبين الوحدة لن يفض أبداً.. وكأنه ولد ليُكتب له مآخاتها .. لم يعتريه القلق بتاتاً تجاه ذلك.

لم يسعى طول فترة سفره للعودة إلى وطنه في الأجازات.. كان دون غيره يظل ماكثاً في غربته، فهو يُفضلها عن الشعور بالوحدة الصورية في وطنه، فمذاق الوحدة الحقيقية خيرٌ له من الوحدة الصورية التي يعانيها بين أسرته.. لكن قدره أيضاً كان الاقتراب من أحدهم ومجالسته... للوهلة الأولى ظنَّ أن الجان تملكه ، فلم يكن واعياً لما يفعله.. أنَّا له أن يجالس أحدهم ، وأين الوحدة ؟ لم لا يجالسها ؟.. ظل أمداً يسأل نفسه ، وينكر على ذاته أنها خالطت البشر، وفضت عنها تجانسها مع الوحدة.

صار الاتصال بينه وبين أهله شبه منقطع.. فقط مراتٍ قليلة في العام .. صار يقضي وقتاً أطول مع ثلة صحبه الجدد، حتى أنه صار يتغيب عن جامعته أحياناً كثيرة في سبيل قضاء الوقت مع صحبه، أو لأنه أطال في السهر معهم يدخنون الممنوعات.. لم يدخن وقتها إلا السجائر .. واكتفى بها بعد أن تأقلم عليها .. ففي البداية اعتراه شعورٌ بالذنب ، لكن ما لبث أن تلاشى ذاك الشعور وصار التدخين عادةً روتينية من عاداته اليومية.

كان يقنع ذاته طوال الوقت أنها مجرد فترة مرحلية سيتخطاها لاحقاً ، بل ربما أسابيع فقط ويمل من تلك السهرات الماجنة.

بالفعل ترك تلك السهرات الماجنة، ولكن ليس لأن الوقت المناسب قد آن، إنما لأن ثلةً أخرى حاوطته .. البون شاسع بين الثلتين، فالثلة الجديدة من أصحاب الثوب القصير ، والغطرة البيضاء، والسواك الملازم لهم.. واللحى ، والشوارب المحفوفة... اختلط بهم سريعاً ، وتجرد من كل أنواع التمتع الدنيوي، وذلك في سبيل التقشف ليكون من أرباب الجنان.. كان أصدقاؤه الجدد يتحدثون كثيراً عن أنهم الأكثر قرباً من الله، وأن من سواهم هم مجرد ضالون.. يتحدثون عن جهادهم الروحي ، وجهادهم في طريق الدعوة .. كانوا في غاية التعصب لعلمائهم ، لدرجة وصف العلماء والدعاة على غير فكرتهم بالضلال ، وأحياناً " بالتعربد " على طريق الدعوة في سبيل أن يسطع نجمهم في سماء الشهرة والمكانة المزيفة ... أما هو فكان مؤمناً إيماناً خفياً بتخاريف فكرهم .. إلا أن مكوثه وسط هؤلاء راقَ له ، أو ربما لأنه لم يجد غيرهم .. فإما أن يتوحد مع الوحدة التي تقتل فيه كل إنسانيةٍ في كل ثانية أو أنه ينجرف إلى طريق السوء.

دافع عما دافع عنه صحبه الجدد ، وآمن به إيماناً كاملاً " أو حاول " .. وظل على حاله شهوراً ..
كانت تجربة شائقةً تلك التي خاضها .. إلا أنه لم يطق أمر صحبه ، وأوامر شيخهم .. رأى أنهم ليسوا إلا منافقين .. فزيهم و سواكهم أهم عندهم من خُلقهم .. يخادعون الناس ، وأنفسهم بمظاهر تدينهم الكاذبة .. لم يَفْرُقوا كثيراً من وجهة نظره عن أسرته .. فوالده أيضاً " مُتَسَعْوِد " مثل هؤلاء .. اللحية والزى والسواك أهم عنده من الخُلق ، ومن بره لولده.

ملَّ من تلك التجربة .. ورأى أن الوضوح خيرٌ من النفاق .. كان دائماً يقول لذاته محدثاً إياها : " تعربد صحبي الأوائل دون نفاق .. خيرٌ من نفاق أصحاب اللحى ".

عاد مرة أخرى لثلته الأولى ، ولكن مع فارق أنه لم يكتف فقط بتدخين السجائر ، إنما أيضاً من باب التجربة دخن " الحشيش " وأقنع نفسه بأنه لن يتخطى حدَّ الحشيش .. وأنه سيكتفي به ، ثم هي مجرد فترةٍ مرحلية وسيتخطاها كما سابقاتها .. كان دائماً يُنْكِرُ شرب الخمر لأن من شرب من خمر الدنيا حُرم من خمر الآخرة ( هكذا كان يردد ) ..

في خضم تلك التجارب والمراحل العدة ، انقطعت كل صلةٍ بينه وبين عائلته ، ما عاد يسأل عنهم ، ولاهم يسألون.. حتى الأموال التي كانوا يرسلونها إليه توقفت .. فلقد جعل له والده حساباً في المصرف ، ووضع فيه ما يكفيه فترة غربته .. ظل على حاله تلك وظلوا هم .. سنتين ... لم يتبقى له في الغربة سوى ثلاث أخريات.

تعمق باسم في طريقه المائلة .. تعود الأمر ، وصارت حياته كلها روتين .. هروين أو حشيش إن ضنَّ الرزق .. جرب كل أنواع المخدرات ، حتى الخمر التي كان ينأى عنها صار يكثر من شربها.. حتى الكتابة هوايته الوحيدة تركها ، يظن نفسه الآن ما صار يجيدها .. صار كل همه كيف يكيف مِزاجه " ويعلي دماغه " .. لم يبقى له من المفاسد سوى الاتجار في المخدرات ، والقتل .. وهو بالطبع يظن أنه لن يساق بتاتاً مهما حدث إلى هذين الطريقين .. ولكن هيهات فكل محاولات إقناعه لذاته فشلت .. وكانت الأخيرة إحداها.

نفدت أمواله لكثرة شرائه للممنوعات ، فبعد أن كان يتعاطى القليل منها مما يحوزه الآخرون .. تعرف على التجار وصار يشتري منهم رأساً .. بل صار الممول الرئيسي لثلة صحبه .. إلا أن رصيده المصرفي نفذ ..

كان لابد من سبيل لمالٍ حتى يسد حاجته الإدمانية هو وزملاؤه ، إلا أن كل السُبل سدت في وجوههم ، اللهم إلا إن نفذوا ما أخبرهم به أكبرهم ، وأقدمهم في هذا الكار .... كان يخطط لسرقة رجل أعمال يقطن في قصر بجوارهم ، يغيب عنه كثيراً ، وفي تلك الأثناء لا يتواجد في القصر سوى ابنتيه وخدمٌ قليل يغادرون القصر بعد الغروب ، ويظل البواب وفقط على باب القصر ..

دبَّرُوا للسرقة ، وجعلوا ثلاثة منهم المنفذون على رأسهم باسم ، تسلحوا بأسلحةٍ بيضاء خفيفة ، وحبال ومصابيح .. دخلوا القصر من سوره الخلفي ، وجَعَلَ اثنان منهم يحرسان باسم ويراقبان الميمنة والميسرة في حين ولوج باسم للقصر من نافذة إحدى الغرف ..

لسوء حظه أن إحدى الفتاتين كانت نائمة في الغرفة ، ولشدة سوئه أوقع باسم تحفة فخارية ،لتستيقظ الفتاة وتشرع في الصراخ .. لم يكن أمامه سوى خيارين اثنين، إما أن يُسَلِّم ، أو يُنهي عليها .. وكان الأول مستبعد ..
في برهات تفكيره اشتد صراخ الفتاة .. انقض عليها باسم وكممها ، حاولت التفلت منه ، واستطاعت ذلك ، رفعت قطعة حادةً في وجهه ، وأرادت أن تصيبه بها ، فتفاداها وانتزعها من يدها ، وأصابها عدة إصابات في صدرها ورأسها ، طاحت على الأرض والدماء تحوطها .. حتى لفظت أنفاسها الأخيرة ، في آخر السياق كانت أختها قد حضرت لترى شقيقتها مدرجةً بالدماء ، والقاتل أمام عينيها ... لم يكن لباسم أي خيارٍ آخر سوى أن يقضي عليها هي الأخرى .. وبالفعل استطاع أن يطعنها في ظهرها بعد مطارده لم تلبث إلا قليلاً.

قَتل باسم وسرق المال .. ووقع فيما ظل يستبعد الوقوع فيه .. الآن صار يُمَنِّي نفسه بأنه لم يتاجر بعد في المخدرات !!

نفذ المال من باسم .. وكان لابد له من مال آخر .. وكانت السرقة سبيلٌ مستبعدٌ تماماً .. فلازالت الشرطة تبحث عن القاتل .. لم يجد أمام إدمانه سوى تجارة المخدرات..
استطاع الحصول على قطعٍ من الحشيش ، وبعض الهروين ، آثر بيعها في سبيل الحصول على الأموال ، التي تتيح له شراء الكثير ، وتوفير جزءٍ من المال لإعادة الكرة مرةً تلو المرة ..
أما والد باسم فكان مشغولاً في أعماله ، ووالدته مشغولة بالسمر مع صاحباتها ، والتسوق .. كلاهما يبعث مع الآخر سلاماً لابنهما .. ولا أحد منهما يعلم أن ابنهما على بعد أيامٍ من حبل المشنقة .. فلقد قبض عليه في طريقه لإحدى الصفقات .. دل عليه فرد من زملائه في سبيل الحصول على " كِيف ".

توصلت الشرطة في تحقيقاتها إلى أن باسم هو القاتل لابنتي رجل الأعمال.... حُكم على باسم في قضية الاتجار بخمس وعشرين عاماً .. وحكم عليه في قضية القتل ، بالإعدام شنقاً.

لم يعلم أبواه عنه شيئاً طيلة سنواتٍ أربع إلا قبل إعدامه بليلتين إذا بُلِّغا بالنبأ من قبل السلطات .. وفدا إلى هناك .. حاولا مقابلته في زِنزانته .. إلا أنه رفض ، وفضل عليهما جرعة من الهروين إن كان لابد من دخول شيء!! .. كان ساخراً لدرجة مُفرطة ، لم يكترث كثيراً لما آل إليه فكل حياته كانت تجارب، وربما ما يمر به الآن ليس سوى تجربةٍ في قاموس تجاربه... ربما لم ُيصب في تجربة من تلك التي خاضها قط .. ولكنه لازال مصراً في قرارة ذاته أنه إن وقع عليه لومُ، فلابد أن يكال لأهله جلُّ اللوم ..

حانت آخر لياليه ..ولأول مرةٍ منذ أربع سنوات يسجد لله في ركعتين .. لم يدعو الله فيهما بالعفو والمغفرة وهو مقبل على الموت .. إنما شعر بوحشة الخضوع والذل لله فلقد عاش ذليلاً للكيف و الإدمان، والعربدة أمداً طويلاً ، ولم يَحُق به سوى الشر مع كل خضوع وانكسار لهواه الشيطاني.

حانت لحظة فراقه للدنيا .. تمنى لو أن تجانسه مع الوحدة لم ينفض ، بل تمنى لو أنه ظل متجانساً مع الخيال، لم يرد الواقع المرير ، الذي أوقعه فريسة لقهر الأبوين حيناً ، و تجاهلهما أحياناً .. أراد لو أن نهايته كانت بشكل أكثر لطفاً .. لم يشأ أن يتذكر المزيد مما مضى .. تمنى فقط لو أنه يلفظ أنفاسه الأخيرة بشكل آدمي أكثر من حياته التي عاشها " حَيَوَاني " ..

منَّاه الجلاد آخر أمنيات حياته .. صمت لبرهات .. ثم رفع رأسه المطأطأ، ونظر إلى أبويه باشمئزاز، ثم رفع نظره للجلاد وقال له : " أبعدهما عن ناظري .. لا أطيق أن يكونا آخر ما تراه عيناي .. ثم حدِّث مسئوليك أن يسنوا قوانين لمحاسبة الآباء .. فأمثال هذين بئر للإجرام .. وإن أردتم تطبيق العدل فأعدموهما قبلي .. وتالله لا أخاف الموت ، ولعمري كل ما أخافه أن يكون غيري ضحيةً مثلي ، مجني عليه وإن كان جاني .. "

بكت الأم .. وظلت تندب حظها ، وأدمع الأب ، وأخذ يجلد ذاته حساباً .. فرمقهما بذات النظرة ، وعلى وجهه ابتسامة سخرية ثم حدثهما : " ابكيا ندماً وألماً .. فسيأتي يوم يُبسط فيه ميزان العدل المقدس ، و والله إني لأظنكما من المعذبين ... ابكيا عسى الله أن يغفر لكما " ... نظر للجلاد ثم قال له : "... أتم الأمر يا سيدي الجلاد " ..

رُفع إلى المنصة ، ونظر منها إلى الخلاء من أمامه.. نظر إلى السماء من فوقه ، والأرض من تحته .. ونظر إلى أبويه ، وإلى الجلادين .. نظر إلى كل ذلك باستخفاف ، واستهزاء .. ظل يردد " دنيا سراب وبشرٌ فقدوا إنسانيتهم .. دنيا سراب وبشرٌ فقدوا إنسانيتهم ".. حتى سقط ولفظ أنفاسه الأخيرة.

هناك تعليق واحد:

  1. اخوان استارز ايه ياحيلة امك
    هو انت وشوية العيال السيس دول اخوان
    ياروح امك روح شوفلك مصاصه تاعب بيها احسنلك قال اخوان قال

    ردحذف