11 يناير 2010

ربانييون حمقي



تقطن الآن أعالي تلال الصحراء الجمرية .. ذئابُ العوي الخفي ... ذئابٌ تعوي بعد منتصف الليل منتصبة القامة ، تعوي عوياً لا يسمعه سوى سكان الكهوف الثغرية .. التي تقع على الثغور البحرية .. يموت كل ليلة بعد وصلة العوي قاطن من قاطني تلك الكهوف .. تصير جثته عفَناً في الصباح ، وتجر بأيدٍ خفية إلى البلدة الجمرية .. النائية قليلاً عن التل ، وقاطني الكهوف ..

من اقترب ناحية التل ، أو سبح حتى الثغور الجمرية .. ماعاد .. أو عاد بلا جلد ، مرميٌ على الاطلال المحطمة .. يقول القوم من البلدة الجمرية أنها بقيةٌ من أثرِ قومٍ مكثوا في تلك المنطقة .. حتى أغار عليها سكان الكهوف الثغرية وذئاب التلال .. لقد كان سكان تلك الكهوف وذئاب التلال ملتحمةً واحدة .. حتى فرقهم توزيع الأضياع فيما بينهم .. فتمردت الذئاب على أسيادها .. واستقلت بالتلال وما فيها من خضار وأطيانٍ كانت مزروعة ، ومساكن ، وينابيع .. وجعلت الكهوف مأوى للسكان ..

الكهوف الثغرية عميقة ، ذات اتساع .. إلا أنها مظلمة رطبة .. فيها ينابيع ماء .. وحياة أخرى ، وكائناتُ أخريات لم يعرفه البشريون من سكان بلدة الجمرية ..


ظل سكان الكهوف فيها منذ أن استولت الذئاب على التلال الجمرية .. ظلوا في الكهوف قروناً مديدة حتى تهيأووا خلقياً نسلاً بعد نسلٍ بطبيعة المطرح .. فصاروا اشباه أموات .. محنية أجسادهم ، تكاد أيديهم تلامس الأرض .. بازغة عيونهم .. طويلة شعورهم .. يتعايشون على فطريات الكهوف ، وبعض أحيائها المائية والبرية .. وإن ضاقت عليهم الأرزاق جعلوا يأكلون في أنفسهم ..

ظلوا ناقراً ونقير .. هم وذئاب التل .. كانت ذئاب التل أكثر عدداً وقوة وتنظيماً .. كانوا يغيرون الغارة على كهوف يلتقمون من سكانها عشرات يلتهومنهم بضع شهور ، حتى تحين الغارة الأخرى ..

لم تكن ذئاب التل كأي ذئاب .. كانت ناتئة الأنياب .. حجمها حجم بشريين اثنين .. ومخالبها أصقل من سيف بتار بتر أو بترة برق لجذع شجرة عملاقة .. كانت تنهش بمخالبها الجلد فتسلخه عن العظم بضربةٍ واحدة ..

قامت بعد سنوات من سرد " ميخيال " لقصة أرض الجمرية بتلالها وبلدتها وكهوفها .. بعد هذه السنوات قامت حرب الفصول .. ظلت ثلاثاً من فصول السنة .. وكانت فيصل الأمر بين سكان الكهوف وذئاب التلال .. وكان تقرير مصيرٍ لأهل البلدة ..

دارت مناوشات المناقشة والجدال بين سكان الكهوف وذئاب التلال حول ضيعة البلدة ، من أحق بها .. فرأى أهل الكهوف أنهم أقل سكناً من الذئاب وأكثر حقاً في الأرض منها .. ورأى الذئاب أنهم أكثر قوةً وأبطش صفعاً .. وأن البلدة ضيعتهم وهم بها أحق .. حتى كانت المناوشات حرباً دامية .. راح فيها أكثر الضحايا من البلدة الجمرية .. وكانت النيران تلتهم كثيراً من حظائر ومزارع البلدة الجمرية ..

وقعت ذئاب التلال معاهدةً مع سكان الكهوف .. حيث النصف الغربي لسكان الكهوف بأطيانه .. والنصف الشرقي للذئاب بحظائره ..

قسمت البلدةُ على الطرفين المتنازعين .. وجعل كل طرف حاكماً مندوباً على طرفه .. وسكان البلدة مستكينون .. طَيِّعُون للقدر ..

مرت دهورٌ على معاهدة التقسيم .. تعايش السكان مع الإحتلال .. بل خرجت جماعاتٌ منهم تنادي بالسمع والطاعة .. تكونت مجموعةٌ من الجهة الشرقية ، جعلوا ينادون بالسمع والطاعة للحاكم المنتدب ، كونه ولي الأمر وإداريٌّ الجهة .. وكانت تسير مجموعاتٍ في الشوارع تضرب بيد الغلظة على يد القائل ظرفاً أو سخطاً على الحاكم وإداراته .. تكون مثلها مجموعةً من السكان في الجهة الغربية .. دعت إلى ذات الدعوة ، حيث طاعة ولي الأمر الملك الذئب ..

تطور الأمر وانتشرت فكرة المجموعتان ، كلٌ في محيط جهته .. وصارت دعوة الجماعتين مشوبتان بالقدسية التي تجعلهما دستورين لا يتغيران لكل جهة .. وصارت كل دعوة في طريقها إلى قلوب العامة .. وتبلورت لدى العامة من الجهتين فكرة الانتماء للوطن ، والحاكم .. حتى صار شعار الجهة الشرقية (( السماء .. الوطن .. الحاكم الكهفي )) .. وشعار الجهة الغربية (( السماء .. الوطن .. الحاكم الذئبي )) ..

تمحكت كل جماعة في الشرعية السماوية .. وتمحكت الإدارتان بذات السلطة .. وصار المتعلمون تابعون للإدارة .. وضمت الجماعة في كل جهة إلى إدارة الجهة .. وبلغ عمى العامة وصمهم الذروة .. وبلغ التعصب الحنق .. وكادت نار الحرب الشعبية بين الجهتين أن تشتعل ..

قدست الذات الحاكمة في الإدارة الشرقية .. وصار القسم باسم الحاكم .. ولازالت الإدارة تصر على التمحك بالسماء ، رغم أن الحاكم حُلَّ محل السماء ..

قامت الحرب الشعواء بين الجهتين .. كانت حرباً شعبية .. دعمت كل إدارةٍ سكانها دون رسميات .. كان في الحرب أبناءٌ لجد واحد .. وأولاد عم وربما إخوة فرقت بينهم جدران العزل التي أقامتها كل إدارة على حدودها مع الأخرى .. كانوا يقاتلون بحمق .. والمتعلمون فيهم يدعون من على منصات المعابد ودور العلم يحثون الرعية إلى الجهاد المقدس .. حتى أن كبير السماويين صاحب المعبد الأكبر أفتى بضرورة جهاد العامة .. وأنه صار قدسياً ..

مرت على الحرب زمن .. وصار في اليوم قتيل من هنا أو هناك .. أو قتيلان أو مئة .. كاد الشعبان أن يبادا .. ولم يعلم من الشعبين أحدٌ باتفاقية الإبادة .. حيث اتفقت الإدارتان في الجهتين على دعم الشعبين بالسلاح ، حتى يبيد كل شعب الآخر ، وينفرد لهم الأمر دون قوة شعبية ..

فُتك بالشعبين فتكاً مريراً .. وهدرت دماؤهم .. وماتت أواصل القربى بينهم بالسلاح .. كل شعب يقاتل باسم الحاكم ، وأيضاً السماء .. ولازال المتعلمون يحثون على القتال .. وماتت كل أصوات التبديل ، والتفكر .. قتلت كل الأصوات التي سعت إلى التغيير .. دفنت كل محاولة إحياء للموتى .. قوومت باسم السماء .. وقاومها الأكابر باسم السمع والطاعة للحاكم والدستور والثقة في الإدارة ..

هلك الشعبان .. وظلت الأرض خواء .. تعايش فيها سكان الكهوف والذئاب ، وتقاسموها ...

الآن تعرف تلك البلدة ... ببلدة الربانيون الحمقى ..

هناك 53 تعليقًا:

  1. اشكرك على هذة المدونة الرائعة

    ردحذف
  2. شكرا جزيلا على هذة المقالة الجميلة

    ردحذف
  3. شكرا على مجهودك الرائع

    ردحذف
  4. اشكرك على هذة المدونة الرائعة

    ردحذف
  5. شكرا على مجهودك الرائع

    ردحذف
  6. شكرا على مجهودك الرائع

    ردحذف
  7. شكرا جزيلا على هذة المقالة الجميلة

    ردحذف
  8. اشكرك على هذة المدونة الرائعة

    ردحذف
  9. شكرا على مجهودك الرائع

    ردحذف
  10. شكرا على المدونه الجميلة و بالتوفيق دائما

    ردحذف
  11. شكراااااا على مدونتك الرائعة

    ردحذف
  12. شكرا جزيلا على هذة المقالة الجميلة

    ردحذف
  13. شكرا على المدونه الجميلة و بالتوفيق دائما

    ردحذف
  14. شكراااااا على مدونتك الرائعة

    ردحذف
  15. شكرا جزيلا على هذة المقالة الجميلة

    ردحذف
  16. شكراااااا على مدونتك الرائعة

    ردحذف
  17. شكرا على المدونه الجميلة و بالتوفيق دائما

    ردحذف
  18. شكرا على مجهودك الرائع

    ردحذف
  19. شكراااااا على مدونتك الرائعة

    ردحذف
  20. شكرا جزيلا على هذة المقالة الجميلة

    ردحذف
  21. أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.

    ردحذف
  22. اشكرك على هذة المدونة الرائعة

    ردحذف
  23. اشكرك على هذة المدونة الرائعة

    ردحذف
  24. شكرا على مجهودك الرائع

    ردحذف
  25. مدونتك رائعة .. اعدك بالزيارة الدائمة انشاء الله .. كل التوفيق

    ردحذف
  26. المدونة رائعة شكرا لك ..

    ردحذف
  27. شكرا على المدونه الجميلة و بالتوفيق دائما

    ردحذف
  28. شكرا جزيلا على هذة المقالة الجميلة

    ردحذف
  29. مقالتك اكثر من رائعه...بالتوفيق دائما

    ردحذف
  30. شكرا جزيلا علي مدونتك الرائعه

    ردحذف
  31. شكراااااا لك .....مقالتك اكثر من رائعه

    ردحذف
  32. قلمك رائع .. شكرا لك ..واعدك بالزيارة

    ردحذف
  33. قلمك رائع .. شكرا لك ..واعدك بالزيارة

    ردحذف
  34. شكرا على المدونه الجميلة و بالتوفيق دائما

    ردحذف
  35. شكراااااا لك .....مقالتك اكثر من رائعه

    ردحذف
  36. قلمك رائع .. شكرا لك ..واعدك بالزيارة

    ردحذف
  37. اشكرك على هذة المدونة الرائعة

    ردحذف
  38. مدونه رائعه جدااا....شكرا لك

    ردحذف
  39. مقاله رائعه ومميزه جدااا...بالتوفيق دائما

    ردحذف
  40. مجهود رائع ومدونه مميزه...شكرااا لك

    ردحذف
  41. مدونه اكثر من رائعه ...كل التوفيق

    ردحذف
  42. مجهود رائع...بالتوفيق دائما

    ردحذف
  43. مقاله ممتازه...شكرا لك

    ردحذف
  44. مدونه جميله...بالتوفيق دائما

    ردحذف
  45. شكراااا...قلمك رائع..ومدونتك مميزه

    ردحذف
  46. مقالتك مميزه جداا ورائعه ...كل التوفيق

    ردحذف