04 ديسمبر 2009

أمواج حقارة (( حين قتل ثاني مرة ))



لم يكن يدري حينها أنه ربما حقاً يقتل ثانيةً في حياته .. فقتلةٌ واحدة كافية لرأب شروخ الأزمان الظاهرة آثارها على كيانه المنحدر نحو هاوية الكآبة ..

لكن ربما حين تكالبت عليه حوليات الأزمان أدرك أنه لا مفر من جرعات متزامنة من كؤوسٍ كتلك التي اجترع منها أهل الأعالي ..

قضى جل وقته هكذا هائماً في أفق اللانهاية ، عله يُحْمَل من (( فراشة )) إلى ظهر غيمة من غيم السماء الملونة بلون الهدوء الأزلي ... لكن الأقدار تظل تطارد زجاجات الأحزان حتى تملئ كؤوس الزمن بشراب الثمالة الأولى ..

يتمايل هكذا كجرادة عمياء فوق الصخور المزخرشة بألوان الهموم .. ظل سائراً على الطريق علَّ (( غزالةً )) تجري به إلى جوف جميزةٍ من تلك المتناثرات على سفوح تكتلات الغم ..

ورغم أن كل من حوله برؤوس كالبشر العقلاء .. إلا أنهم بلا أفئدةٍ أو عيون .. يتذكر أن أحدهم أخبره أن سهاماً مدهونة سماً بلون البنفسج قتلت كل روح في البشريين منذ دهرٍ قريبٍ .. فالأولون كانوا يتسامرون على أضواء القمر مفترشين بقعاً خضراء بين البنفسج .. استوعب كيف أن الشيء الجميل ألغته عقول البشر المبطنة بهكذا قبح .. وأشار إلى شجرة ثمار الشيطان ..

حكى السماءَ موالاً سرد فيه كل حكايته .. لمعت في السماء نجمة ، لمعت معها عينه التي حوت حينها قدراً يسقي بحراً جافاً .. تمتم وهو يخطو بين الفراغ من حوله بأقوال غير مفهومة إلا من السماءِ التي استوعبت كل بللورة دمع سقطت من عينه ... حكت بللورات دمعه كل ما في صدره ...

اختلى بعدها في مغارةٍ خارج حدود وطنه .. اختلى بهواء ونفسات خرجت بسيول من هم مُثِّل في دمعه .. لم يجد حوله من آدميين .. كانت فقط كلاب نتبح بعد منتصف الليل ودوائر دخان القمامة .. كل الآدميين حينها قتلوا .. حتى ذاك الذي كان يجاوره في ذات يوم مات .. قتلهم دخان القمامة الذي اعتادوا استنشاقه حتى صار من تكوينهم .. قتلهم نباح الكلاب الذي اعتلاهم وكياناتهم حتى صار جزءاً من تكوينهم ..

لم يجد في الدنى إلا بشرياً تناجيا سوياً للأرحم .. لم يعلمون في يومٍ أنهما قد يعيشان في زمن كله قيعان من جحيم ..

في آخر المطاف تلاطمت به أمواج الحقارة البشرية ... الآن هو مفقود ..

قال عنه الناس أنه ربما خر صرعاً ... وقال الأغلبية أنه اجتاز الحُقَّار كلهم ، وكلهن !!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق