16 نوفمبر 2009

فلسفة الهطالة !!

مثل كثير من المورثات المجتمعية والتي هي في الأساس لابدة في النفس البشرية ، مضمورة فيها حتى تأتي اللحظة السانحة لخروجها ربما بشكل مبالغ فيه أو بشكل مقبول لحد ما .. هكذا الهطالة !!

الهطالة مثلها مثل الصفات التي يتصف بها الإنسان أو المنتشرات بين المجتمعات بتفاوت ..

كانت عند العرب الجاهليين حرب مشهورة تعرف بحرب " البسوس " والتي ظلت أربعين عاماً بين قبيلتين عربيتين بسبب ناقة امرأة تعرف بالبسوس .. حرب البسوس كمثال للهطالة المجتمعية المتفشية وقتها .. تمثل أيضاً العلة الرئيسية لتفشي ظاهرة الهطالة وهي علة الفراغ العقلي والبطني على حدٍ سواء .. وفي الحقيقة أن كليهما مترتب على بعضيهما .. فالفراغ العقلي ناشئ من الفراغ البطني الذي بسببه تتمثل هموم الإنسان في الحصول على ما يسد فراغه البطني ليفرغ عقله إلا من تلك الهموم .. وهذا ما تتمرغ فيه أقطارنا العربية ..

بالرغم من كون مكوث حرب البسوس هذه المدة الطويلة هو نتاج طبيعي لتفشي حالة الهطالة ودليل و إقرار تاريخي على تفشي هذه الحالة وقتها .. رغماً ؛ إلا أنها حرب حيث شجاعة وإقدام وفروسية .. حيث قتلى وجرحى ودماء .. وحيث الكل إما أنه غالب أو مغلوب ، وليست فئة معينة من كلا الفريقين ... بمعنى أنه إن انتصر قوم على قوم .. فالقوم المنتصرون كلهم منتصرون .. وليس جزء منهم .. وأمر الحرب جدي ..

ولأن العالم في تطور وتحدث مستمرين .. ولكل فعلة مظاهر تطورها مذ تكونها في النفس البشرية .. الهطالة هي احدى المتطورات أيضاً فقي المجتمعات تطوراً فطري تبعاً لتطور المجتمع في شتى المجالات .. وبما أن الهطالة هي من تكوين الإنسان فهي باقية فيه ببقائه .. ومتطورةً معه بتطوره .. ولكن لكونها صيغةً سيئة لفعل ليس حسن فإن تطورها بالسلب بطبيعة الحال ..

النموذج الأمثل لتطور الهطالة في المجتمع العربي هي تلك الصورة التي رأيناها في الأيام القليلة الماضية .. حين تصير لعبة ككرة القدم مجالاً للتنافس بين شعبين لحد الفجور في الخصام .. وأن تكون رائدة الحملة الخصامية هي وسائل الإعلام والتي من المفترض هي ممثلات النخب في هذا المجال ..

التنافس .. والفرح بالفوز أمور لا يعيبها أحد عاقل .. إلا أن الخصومة وخسران الشعبين لبعضهما هو نتاج لتطور ظاهرة الهطالة ..

من خلال قراءة التاريخ ومقارنته مع الحاضر نجد أن الأحداث التي تكشف تفشي الهطالة تقودها نخب المجتمعات .. حيث أن حرب البسوس في أصلها سببها قتل ( جساس بن مرة ) من قبيلة بكر لــ(كليب بن ربيعة ) من قبيلة تغلب .. كلاهما من سادات قبيلتيهما .. وكذا الحالة بين الشعبين المصري والجزائري فإن إعلام كلا البلدين في الشأن الرياضي هما عود الإشتعال ..


نلخص مفهوم الهطالة وحالاته في :

* الهطالة جزء من التكوين البشري
* الهطالة تنشأ نتاج سببين أساسيين : 1- الفراغ البطني 2- الفراغ العقلي الناشئ عن الفراغ البطني
* قادة مظاهر تفشي الهطالة هي نخب المجتمعات التي تتفشى فيها هذه المظاهر ..

الهطالة تفشت في كل المجتمعات على مر العصور ... راجعوا التاريخ الأوروبي خاصة حرب المئة عام

هناك 3 تعليقات:

  1. ( بحبك يا بلد المليون شهيد )

    إن هذا العنوان من شاب مصري يعبر عن عمق الثقافة المعرفية والنضوج الفكري الذي يعيشهُ كاتب هذه الأسطر ....

    فحينما نقرأُ توجييهُ للموضوع بذكر ( هطالة العرب في الجاهلية ) - ولو أنني لا أعرفُ الترجمة الحرفية للهطالة - نرى حسن الربط بين سابق التاريخ وبين واقعنا المعاصر !!!!


    إن الجزائر ومصر دولتان عظيمتان يشهدُ التاريخ وأرضها الطيبة على دماء سُفحت في سبيل الله عليها ...

    ويشهد الدهرُ على رفضهما للاستعمار وقمعهما للعدو بعزيمةالأبطال وبإرادة الرجال التي تهزُّ الجبال هزا ....


    فهاتان الدولتان العظيمتان في تاريخهما وفي حضارتهما لا ينبغي لهما الانجرار وراء الحمية والعاطفة المستهلكة عند كثيرنا استهلاكاً خاطئاً حتى لا نقع كما وقع العربُ في حروب ونحنُ إخوة أشقاء يجمعنا دينٌ واحد وعروبة واحدة وجهادٌ في سبيل الله قدمت من أجله دماء الشهداء قرباناً إلى الله فربح البيع الذي بايعنا الله تعالى عليه {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }التوبة111



    إن العاطفة إذا لم تضبط بضابط العقل وتوزن بميزان الشرع طاشت الكفة لتدفع مجتمعاتنا الضريبة عليه , كما هو حالُ العرب حينما وأدوا بناتهم من أجل ( الغيرة الشديدة ) وهي أمرٌ أقرهُ الإسلام إلا أنه رشدهُ ترشيداً صحيحاً ...



    أخي الكريم / محمد العتر .


    موضوعٌ هادف وكلمات جميلة .. وروحٌ عالية وقولٌ سديدٌ نتمنى من كلا الطرف لملمة الجراح وعدم تكبير الأمور فالأمة تحتاجُ منا إلى وحدة وعودة وقوة ...


    والله ولي التوفيق

    ردحذف
  2. آسف سيدي لعلي أخطأت في توجيه الرد فهذا الرد مكانه في موضوع ( بحبك يا جزائر ) ولو اشتبه مضمون ( الهطالة ) مع ما سطرته بالسابق ..

    فأرجو منكم تكرماً نقل الرد لمكانه المناسب ...

    ردحذف
  3. أخي الحبيب الغالي : مهند القرني ...

    ربنا يكرمك يارب . ..

    أشكرك كثيراً على الإطراء ...

    الحقيقة أنا أجد أن مقام مقالك هنا أفضل ... تحياتي يا غالي

    ردحذف