05 نوفمبر 2009

بين مطر ورصاصة


قبل كل أوان .. كان ينظر إلى السماء هل هي صافية أم أن الغيوم تلبدها ..

في ذات مساء .. ورغم تلبد السماء بالغيوم ، والريح قوية تهز سعف النخيل المنتصب على الشاطئ المطل عليه الشارع التالي لشارع منزله ..

نزل للشارع مرتدياً البالطو الأسود كسواد الليل ، إلا من قمره المكتمل المنير لولا تلبد الغيوم وقتها .. سار وحده نحو الشاطئ .. النخلات كالصروح العظيمة عن يمينه ، من خلفها رمال البحر الشقراء .. وعن يساره الطريق السريع لا يسير فيه إلا الريح العاتية والجن .. ليس من أصوات إلا صوت تلاطم الأمواج وخرفشات سعف النخيل ، وصوت الريح .. وقليلٌ من القوارض التي تبحث مأواً لها من بوادر المطر ..

جال خاطره بعيداً هناك حيث نظر إلى أواخر البحر ، حيث المنظر فيه التقاء السماء بالأرض المائية .. جال في خاطره لو أنه الآن في السماء فوق غيمة من تلك المتراكمات فوق بعضها .. لربما منعها من إهطال أمطارها في ذات الساعة ، حيث أراد الخروج .. هو يكره السير تحت قطرات المطر .. يكره الريح الشديدة ، والبرد .. تسير هذه الأجواء ذكراه إلى ما لا يريد تذكره ... ذكرى أليمة ..

أبت الأجواء إلا أن تحمله في طيات الذكريات إلى ذاك اليوم البعيد .. تذكر .. وحدث نفسه ..
-------------------------

كان يوماً ملبداً بالغيوم ، كان ذاك الجو الأفضل لكلانا .. كلانا يعشق المكوث تحت قطرات المطر .. والصراخ بحبنا لبعضنا في أوجه الريح ، والنخيل ، وأمواج البحر ..

في يومها دق هاتفي .. إنها هي ، حدثتها :

* حبيبتي .. - أحتاج لرؤيتك ..

لم يكن صوتها كالعادة بتاتاً .. لم أحدد ماذا تحمل تلك النبرة .. إلا أني :
* بالطبع يا حبيبتي .. متى ؟ - الآن .. الآن فوراً .. إذا سمحت ..

أظن أنها المرة الأولى بعد أن توطدت علاقتنا ببعضنا ، التي أستمع فيها إلى كلمة " إذا سمحت " .. ليس بيننا مثل هذه الرسميات

* حبيبتي .. أهناك أمر طرئ ؟ - لا أبدا .. فقط أريد مقابلتك الآن .. وفوراً .. حسناً .. قابلني أمام الشاطئ على التخت المعتاد . * حسناً .. أنا آتٍ

ارتديت ذات البالطو .. وانطلقت إليها مسرعاً .. حتى أني نسيت علبة السجائر ..

وصلت وكانت في انتظاري تجلس جلستها المعتاده .. أتيت من خلفها ، أمسكت ذراعيها إيذاناً بأن أقبلها بين عينيها .. كالمعتاد ..

العجيب أنها تفلتت مني .. أخرجت سيجارة .. أعطتهاني .. أخذتها .. أخرجت أخرى ودخنتها .. دخنتها ببشاعة لم أعتدها منها .. كانت كالثملة في طريقة حديثها .. أثبت لي ذلك زجاجة الفوديكا التي أخفتها في سترتها ، كانت نصف ممتلئة ..

وضعت أناملي على خدها .. أخبرتها عن ما بها .. أزاحت يدي برفق .. وأجابت أنه الوقت المناسب ..

لم أعلم عما تتحدث .. أخبرتها ما هو المناسب ذاك .. أجابتني مسرعة .. أنه الوقت المناسب لإنفصالنا ..

لا أدري .. ولكن أظن حينها أنها وكأنها طعنتني بسكين أو ما شابه .. سكت فترةً حتى أستوعب ما رمت إليه ..

بادرتني :

- أدرك أنه أمر عسير إلا أني فكرت طويلاً .. ووجدت أني لست أستحق حبك .. * ماذا ؟؟ من قال هذا .. هل اشتكيت إليك؟؟ أم أن أحدهم أخبرك بحديثٍ لم أقله ؟؟ لقد .. لقد - لا لم يخبرني أحد ..
أنهت المقطع الأول ، وسحبت نفساً طويلاً من سيجارتها ، كادت تنهي به السيجارة .. ثم :

- بما أن الآزفة أزفت .. فعليك أن تعلم أني لم أكن مخلصة لك تماماً .. ولولاً حبك المتزايد لي ، وحنانك لي لما أعرتك اهتماماً ..

طاحت حينها السيجارة التي لم أشعلها بعد .. نظرت إليها في ذهول .. وكلها برود .. تسحب النفس تلو الأخر ، تعدد أشكال الدخان الخارج من خياشيمها .. لم تكن تلك سوى شيطانة من أحببت .. لم تكن بتاتاً الفتاة التي أحببتها ، وعرفتها طيلة سنوات ثلاث .. كان لابد من حسم الموقف .. إلا أني أردت أن أستزيد بعضاً من التفاصيل .. أخبرتها بنبرةٍ مقتولة ، أحاول فيها جاهداً أن أظل صلباً أمامها :

* من ذاك الشخص الذي خنتيني معه .. من ذاك الذي نال استحسانك ، ورأيت فيه ما لم ترتئيه في ؟ - لا تنفر هكذا منه .. فأنا أخونه الآخر .. أخونه معك .. الحقيقة أني خنته أول ما خنت .. أنا أعرفه منذ سبع سنوات .. وعرفتك عليه .. * هل أعلمتيه بعلاقتنا ؟ - نعم بعد سنة من نشوئها

استنكرت ذلك ، ذهلت ، صعقت ... أجبتها : وظل متمسكاً بك ؟

ببرودها القاتل .. تخرج سيجارة أخرى تشعلها وتأخذ في سحب النفسات سريعاً .. نفساً تلو الآخر .. ثم نظرت إلي بعيونٍ ناعسة باردة .. عيون لا يمكها سوى شيطان .. شيطان خرست كل أحاسيسه ومشاعره .. أجابتني :

- أعطيه كل ما يريده .. وآخذ منك الحب والحنان .. ولولا أن ضميري تيقظ فجاءةً لظللت على ذات الحال .. إلا أني شعرت بالأسى لأجلك .. شعرت كم أني شريرةٌ لخداعي لك .. كانت انتفاضةً بداخلي حثتني على إخبارك بضرورة الإنفصال ، لأن ما قام بيننا لم يكن حقيقة .. كان وهماً جررتك إليه ، وجررت نفسي إليه لأعوض بعضاً من مرار الدنيا .. ومرار العلاقات السابقات ..
----------------

وقع من الإعياء .. من شدة البرد ، ومن الذكرى الخبيثة ..

لم يفق إلا وهو بين يدين ناعمتين .. طل بنظره في وجه الذي يحمل رأسه على حجره .. إنها فتاة حسناء ..

قام منتفضاً .. زعق كالتائه .. أين أنا ؟ .. أجابته بأن يهدأ .. هي لقيته مرمياً أمام تخت على رصيف الشارع .. حملته في سيارتها وأتت به لتمرضه في المنزل .. قاطعها :
* ومن ثم أقع في حبك ، ونقضي ثلاث سنوات من أحسنها .. وفي النهاية أكتشف أنك تخونيني مع أحدهم .. بعد أن تبعثي إلي وأنت ثملة ، وتتحور عيناك الغزلاوتين إلى عيني شيطان أخرس .. خرست كل نبضة مشاعر فيه ..
قهقه كالمجذوب .. ثم أكمل :
* حسناً وماذا في ذلك .. لا بأس بتاتاً بأن أجرب تارة أخرى ، وأطعن تارةً .. وتارةً .. وتارات .. لا بأس ..

اتخذ ركناً جلس فيه ، وضع رأسه بين ركبتيه وشبك أصابع يديه فوق رأسه .. وصمت لبرهات ...

قام فجاءة وأخرج من جيب البالطو الذي لا زال يرتديه مسدساً .. قال :

* حسناً يا حسناء .. أنا معجب بك .. ولأني أعلم بقية السرد ..

وأطلق رصاصة اخترقت رأسه ..
--------------------

كانت الحسناء .. أخت السابقة ( تلك التي خانته )

هناك 3 تعليقات:

  1. أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.

    ردحذف
  2. ربنا يحميك يا رب يا محمد

    تقبل مرورى

    اخولك فى الله اسلام الشربينى

    ردحذف
  3. من اجل
    وطن آمن مستقر...حياة افضل.
    من اجل
    محاربة الفساد....مقاومة التزوير
    من اجل
    ان تكون مقدرات هذا الوطن بأيدينا
    شارك في الحملة الشعبيه للقيد بالجداول الانتخابية
    ضع شعار الحملة علي مدونتك
    عذرا علي عدم التعليق علي البوست

    ردحذف