19 أغسطس 2009

منهج القدسية بين الحضر والسلف


لا أنكر أني نشأت وقد حملت القداسة لشخصيات عديدة .. يعود ذلك لنشأتي في كنف الأسرة الملتزمة ، وقصص الصالحين وعلماء المسلمين .. وتعظيم الشخصيات الإسلامية البارزة حديثاً وقديماً ، وتعظيم علماء المسلمين .. بلور ذلك عندي مفهوم القدسية بطريقة لا واعية .

أنا لا أعيب على النشأة بتاتاً ، ولا على توجه تعظيم العلماء والشخصيات البارزة في التاريخ الإسلامي .. فلولا تلك المعطيات في تربيتي ، لانحرفت عن المسار بسبب عوامل الإطلاع أو التفكر كما يسمونها ..

ولأن التوجه في النشأة كان على مسارين متوازيين أحدهما الآخر هو الحرية في الإطلاع وإعمال العقل ، واتخاذ الإسلوب المرتئى من قبلي مع توجيه ونصح ..

أجد نفسي حقاً لا شيء مقارنة بمن سأتحدث عنهم .. ولكن بمنهج إعمال العقل ، ومع إختزان الإحترام والتقدير لكل الشخصيات التي أثرت الدعوة ، والحركة الإسلامية .. فأنا لا أجد أن مخلوقاً يحتمل عبئ القدسية .. القدسية للقدوس وحده جل في علاه ، حتى الرسول صلى الله عليه وسلم غير مقدس ، وقد عاتبه الله في موقفين يذكرهما التاريخ في القرآن والسنة .. حتماً القدسية في الرسالة وهي من عند الله ، حتى أن المولى لم يجعلها قدسية تامة .. فترك متغيرات للإجتهاد ، إلا أن لب العقائد حتماً قدسي ..

ومن أكثر من حملت لهم - مثلي مثل كثر - القدسية هم الأئمة الأربعة ، ونهاجهم الأربعة .. ولكن لاحقاً أدركت أنهم أنفسهم استوعبوا حقيقة انتهاء القدسية في ذات القدوس جل في علاه .. وبناءاً عليه بنوا اجتهاداتهم .. ورغم أن كل عالم كان تلميذاً لمن قبله إلا أنهم لم يحملوا القدسية لأفكار أحدهم الآخر .. بل وغيَّر الإمام الشافعي من فقهه حين تنقله من بغدان إلى مصر حيث الواقع حتم ذلك ..

وأتعجب حقاً حين يتملكنا مفهوم القدسية لهؤلاء العلماء الأجلاء ، ولغيرهم كابن تيمية وابن القيم خاصة .. ولغيرهم عامة .. وهم لم يحملوا لمن قبلهم القدسية ولم يفكروا بها ، واجتهدوا الإجتهادات التي معظمنا يوليها قدسية أحياناً تكون عمياء تماماً ..

ثم أظن أن نشوء المعتزلة خير دليل على أن القدسية لم تكن من بنات أفكار ذاك العصر وأنها فقط اختلاقة مبنية على رجعيتنا الكلية والجزئية .. ثم الخروج عن الإسلوب المعهود من قبل الإمام أبو حامد الغزالي واتخاذه من المنطق حجة وعموداً في دعوته وإنشاؤه أساسات الفلسفة الإسلامية ( وإن كان هو يعارض علم الفلسفة لخروج كثير من متفلسفيه عن حدود الذات الإلاهية ) .. إلا أنه رغماً عنه أنشأ فلسفة إسلامية .. وبعيد عن ذلك انتهاجه المنطق في توصيل فكرة الدعوة وإثبات وجود الله بألف دليل منطقي هو خروج عن نهج القدسية لمن قبله ..

بل وحين يرد عليه ويخالفه ابن رشد ( وهو جاء بعده بعدة قرون ) وحين ينتقد كتابه " تهافت الفلاسفة " بكتاب آخر أسماه " تهافت التهافت " فهذا خروج عن نهج التقديس .. وهكذا دواليك في التاريخ الإسلامي ..

ما أتعجب منه الآن وأضع عليه علامات إستفاهم وتعجب لا تحصى .. هو فكرة المنهج السلفي ، فهو في المقام الأول منهج نقل .. قليل الإجتهاد ولا يجبذه هذا إن لم يكن يعارضه ، لذلك فلا أحبذ تسمية شيوخ هذا المنهج بالعلماء ، ولكن يكفيهم أن يقال لهم نقال علم .. فالعالم هو المجتهد في الأمور مراعياً لمعطيات العصر الذي يعيشه .. بناءاً عليه لا أعترف بلفظة المنهج السلفي .. لأنه رجوع إلى منهاج القدسية ، وهو منهاج لا يوجد له أي أثر في إسلامنا ..

نحن قوم منهاجنا القرآن والسنة .. وكلاهما جاءا مخاطبين للعقل ، مذ بدأت الرسالة ، وحتى يومنا فلازال القرآن يحمل بين طياته جوهرات علمية وعقلية جمة ..

مع الإحترام الذي أكنه لشيوخ المناهج السلفية لاجتهادهم في طلب العلم .. إلا أني أعيب عليهم أنهم يبلورون بشكل لا واعي فكرة تقديس الأفكار .. فلن أنسى بتاتاً ما ذكره لي أحد الشيوخ الوهابيين من السعودية حين أخبرني بحرمانية " الرجل الآلي " لما فيه من تعدي على قدرة الله في الخلق .. أصابني الذهول وقتها .. منذ ثلاث سنوات .. ( وكنت ابن الثالثة عشر ) .. وكان ردي وقتها بديهياً ومرتجلا من مرتجلات الخاطر ، لم أفكر فيه بتاتاً .. كان ردي هو أنه بناءاً عليه الطائرة محرمة شرعاً لما فيها من تعدي على قدرة الخالق ، والسيارة أيضاً ، والحاسب أيضاً ، أتذكر أن الشيخ وقتها سكت ولم يتلفظ سوى تمتمات قليلات ..

الشاهد في الأمر هو أنه ما المانع لو أنه وضع فقه جديد ، اجتهده عالم مقدر ، مقتدر .. والمانع من الخروج على النمطية في أحكامنا الشرائعية مقدرين الواقع والتغيرات الزمنية .. فكما فسر السابقون القرآن تفسيرات رأوها الأفضل ، وجاء بعدهم من يصححها .. فلم لا نفسر القرآن كما ينبغي ..

لما جعلنا قولة [ قال ابن تيمية أو ابن القيم أو ... الخ ] دستوراً علينا ، في حين أنهم قالوا اجتهداتهم كما انبغى في عصرهم ، وحتماً عصرهم غير عصرنا ..

والأمر ممدود حتى رموز الفكر الحديثة ، وأجعل على رأسهم في حديثي " الأديب المفكر الشهيد سيد قطب " فلما جعلنا لأفكاره القدسية اللاواعية .. ولما كان انتقادها عيباً لن يزوله غبر الزمن .. بل وفي حالته فإننا لم نبني أنه كان أديباً قبل كونه مفكراً .. وتفسيراته ليست مبنياً على علم مسبق ، كما كونها مبنية على إطلاع أدبي بحت وفكري خاصٍ به ..

في العموم الأمر شامل وواسع .. وليس معنى أن العلامة يوسف القرضاوي من أوائل منتقدي فكرة التقديس ، أنه منزه منه .. بل وأخشى أن نقع في فخٍ نصنباه بأنفسنا ، وأن نقدس أصحاب مناهج اللا تقديس ..

سأظل أقول أن الدعوة الإسلامية ، ومؤسساتها المتمثلة في الحركة الإسلامية خاصة .. ستظل محتاجة في مقامها الأول للنهضة من كبوتها إلى الغاء مفهوم القدسية .. واتباع المنهاجية الإجتهادية العقلية المؤطرة بالأبعاد القرآنية السنية ، العقائدية ..


هناك 4 تعليقات:

  1. تحياتى لك اخى الحبيب .. مدونتك رائعة ومفيدة وهادفة .. وفقك الله الى الخير

    اخوك الخفاجى : مدونة عرب بس http://arabbas.blogspot.com

    ردحذف
  2. محمد العتر21 أغسطس، 2009 6:22 ص

    أخي عرب بس :
    ------------

    التحيات موصولة اليك

    شكراً على المرور

    ردحذف
  3. أبدأُ مما انتهيت إليه من النقاط والتي تتحدثُ في مجملها عن ( التجديد في الفقه الإسلامي )

    عزيزي : إننا لو تصفحنا كتب السنة فإننا سنجدُ حتماً أن أول من طبق هذا المبدأ - الذي أحبُ أن أطلق عليه ( فقه الواقع ) - هو النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان يُسأل نفس السؤال في وقائع شتى , وأشخاصٍ مختلفين وكان يُجيبُ بإجابات تترأى للعامة أنها متناقضة والصوابُ أنه ليس بتناقض إنما هو إعمالٌ لمبدأ فقه الواقع ...


    ولقد ذكرت أخي الكريم مثالاً لذلك وهو الإمامُ الشافعي فقد كان له مذهبان ( قديمٌ وجديد ) فتغير مذهبه القديم بتغير الزمان أو تغير البيئة التي كان يعيشُ فيها ...

    فإدراكُ المجتهد لفقه الواقع في كل مسألة أعتبرهُ شرطاً من شروط الإجتهاد

    وإن أهمية فقه الواقع عزيزي محمد تكمنُ في أن عدم إدراك المجتهد للواقع الذي تعيشُ فيه الأمة يُبعدهُ كثيراً عن مشكلات الأمة وبالتالي تُبعدهُ عن طرح الحلول المناسبة لقضاياها ...

    فمراعاة الواقعُ يعطي لهذا الدين حقيقتهُ وجوهره وهو أن هذا الدين صالحٌ لكل زمان ومكان ..

    أما عن إعتمادنا على ما قاله ابن تيمية والشافعي وابن الجوزي وما إلى ذلك فهذا ولا شك يحتاجهُ كل فقيه كيف لا ونحنُ عالة على هؤلاء الأئمة الأعلام , ولكننا في ذات الوقت نطالبُ بأن يكون علمائنا في عصرنا الحاضر خيرُ مطبقين لفقه الواقع خصوصاً وأن في هذا الزمان نوازلٌ فقيةٌ كثيرة تُبرزُ أهمية الإجتهاد وإعمال فقه الواقع في فقهنا الإسلامي في العصر الحديث ...

    ولعلي أنبهُ على أمرٍ مهم / لا يوجد ما يُسمى بالوهابية أو مذهب الوهابية في المملكة العربية السعودية فهذا إطلاقٌ لا أعتبرهُ صحيحاً لأن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله لم يأتِ بمذهب جديد إنما جدد التوحيد والعقيدة الإسلامية في منطقة شبه الجزيرة العربية وبالتحديد في نجد وما أحاط بها حتى عمت الأجزاء الأخرى , بعدما شوهت العقيدة الإسلامية بالشركيات والمصائب المدلهمات ...

    فمن وجهة نظري ومن زعمي أعلاهُ أقول: أن الشيخ رحمهُ الله لم يزعم لنفسه مذهباً وسماهُ بالوهابية ولا حتى من ناصر الشيخ في دعوته الإصلاحية في نجد سموا دعوته بالوهابية ...

    ولعلي إن أخطأتُ أن أسمع منك تصحيحاً .




    أخي ( محمد العتر ) بارك الله فيك ونفع بما تُقدم في هذه المدونة الرائعة .. فأنا من أشد المعجبين بها وبما تُقدم فيها من مادة علمية ....

    وتقبل تحياتي وشكري ...

    ردحذف
  4. محمد العتر28 أغسطس، 2009 5:12 م

    مهند القرني :
    -----------------

    أعزك الله

    كلامك سليم جداً ... وبالفعل حديثك عن الإمام محمد بن عبد الوهاب .. ولكن للأسف الخطأ كان خطأ من جاء بعده .. فهم فهموا أن فهمه لبعض الفققهيات أمر قدسي ... بينما أنه له فهمه على أساس واقعه .. وواقعنا له فهمه

    جزاك الله خيراً ... سعيد بمرورك

    ردحذف