05 يوليو 2009

القدرة الطالبانية بين المطرقة والسندان

في مقالي " أسطورة الجيش الباكستاني " ، وعدت في آخر المقال أن أتبعه بآخر أربط فيه بين ما ذكرته في المقال وبين ما يقع في الواقع .. بداية أعتذر لتأخري في كتابة المقال الموعود .. ولكن حقيقةً جاءت الأقدار بخيرٍ مرجو ، فعدم كتابتي للمقال وقتها أفادني بمرور أحداث كانت ولابد من حدوثها لربطها بما حدث حينها ومن ثم الخروج بتحليل واقعي متزامن مع الحدث ..

كنت تأخرت أكثر لولا تلك الرسالة التي وصلتني على هاتفي المحمول في أمس الأول ؛ تفيد بمقتل جنودٍ باكستانيين ، ورسالة الأمس .. إلى جانب رسالة اليوم التي تفيد بمقتل جنودٍ أفغان بالقرب من قندهار إثر إنفجار أودى بحيات عشر منهم ..

إن سلطنا الأضواء على الوضع في باكستان فسنجد جيشاً قوياً من كل الجوانب [ وهذا ما شرحناه شرحاً وافياً في ذات المقال ] هذا الجيش القوي المزود بأفضل الأسلحة ، الجيش الخبير في العمليات العسكرية .. ، ودلالة ذلك حروبه المتكررة مع الهند والتي أثبت فيها جدارته ... في الجهة الأخرى نجد الجيش الطالباني ، رغم كونه مجرد فرق عسكرية تعتمد على التدريب الذاتي إلى حدٍ ما ، حالها حال الفرق الجهادية الأخرى (( مع التطور المطلوب في أساليب التدريب )) .. رغم ذلك إلا أن المؤسسة الطالبانية العسكرية أثبتت جدارتها ، وتتطورها المذهل المتتالي في فترات متقاربة ، صغيرة .

في فترة القتال بين طالبان وجيوش الولايات السبعة الأفغانية .. أبدت القوات الطالبانية مهارة عظيمة ، وشجاعة وعزيمة .. رغم كونها كانت في مجابهة 7 جيوش مدربة ، ومحترفة ، ومسلحة بتنظيمات متطورة .. إلا أن الجيش الطالباني أبدا تطوره الفطري أمام تلك القوات .. وأبدا احترافيةً (( في فترة مختصرة )) لم تعتدها القوات الجهادية ؛ ككتائب القسام في فلسطين ، والقوات الجهادية في الشيشان رغم إبداعهم في التصدي لهجمات الإحتلال .. إلا أن طالبان في معركتها أمام الجيوش السبعة كانت تلك هي التجربة العسكرية الحقيقية الأولى لها ، ولم يكن قد تجاوز على تأسيس الحركة سوى سنتين أو يقل .

التطور الخيالي في القدرة العسكرية الطالبانية فاق حتى تطور المؤسسة السياسية ، والدبلوماسية عندها .. يعود ذلك إلى الفكر الطالباني .. فالبرغم من أن الفكر الطالباني واحد ، سواءاً أكان في المؤسسة العسكرية أو الأخرى السياسية .. إلا أنه في الأولى كان له فائدة الدفع العقائدي الذي هو السلاح الأول لدى الجنود الطالبانيين .. إلا أنه لدى المؤسسة الفكرية فهو بمثابة عقبة تعوق كل سبل التطور حتى الفطري منه ، والذي هو لا محالة ضرورة لمواكبة السياسة العالمية المتجددة .. أنا هنا لا أقول أن تتخلى طالبان عن مبادئها فذات المبادئ هي التي تسير الحركة الجهادية الإسلامية في فلسطين [ وخاصة حماس ] .. وهي التي تسير كل الحركات الإسلامية ، إلا أن بعض الجذريات لدى طالبان تحتاج إلى تعديل إن هي سايرته مذ تأسيسها لوجدته تعديلاً فطرياً مواكباً بذاته الكون المتجدد ولكان ذلك أفيد لها في كسب ثقة رسمية من الحركات الإسلامية على أقل تقدير .

في الحرب الأخيرة بين الجيش الباكستاني والآخر الطالباني في منطقة وادي سوات .. أبدت الأغلبية تأييدها لتوقع نتيجة إنحسار القوة الطالبانية أمام الصد الباكستاني ، وكان لي رأي المخالف المتوقع لنتيجة إنتصار القوة الطالبانية ، وراهنت على ذلك كثيراً ... ولا أخفي أنه حلت أوقات كدت فيها أن أصدق أني كنت على خطأ ، ولا أنكر أيضاًَ أنه لو قضت الأقدار بأن أكتب المقال في الوقت الذي وعدت فيه ، لذكرت في المقال أني أخطأت في تحليلي ... ولكن الآن يعود الوضع لمساره ويثبت العسكر الطالباني تحليلي .

الواقع الآن يجعلنا نشهد أيام تفوقٍ جهادي ، وإنتصاراً لفكرة الفرق العسكرية المقاومة الإسلامية ، وفي المقابل إنحساراً للقوى العسكرية المكتملة .. ففي بداية العام شهدنا إكتساح الجيش القسامي الساحة العسكرية بجدارة في مجابهة القوة العسكرية الرابعة عالمياً [ قوة الإحتلال الصهيوني ] .. وحالياً نشهد الصمود المذهل لعسكر الطالباني في مقابل الإندحار الباكستاني المتتالي .. ومن ثم تفوق تلو الآخر تشهد عليه ساحات القتال ..

وفي وضع طالبان الأمر أكثر سوءاً ، فطالبان تقع بين مطرقة الجيش الباكستاني .. وسندان القوات الأفغانية ، والأمريكية ، ومع هذا فإن حوائظ الردع الطالبانية لازالت تثبت قوتها .. ومع إسلوب حرب العصابات ، والحواجز المفخخة فإن القوة العسكرية الطالبانية تبدي رعباً لدى النظام الأميركي أظهره الواقع في الجيش المكون في 4000 جندي أميركي دفعة واحدة لمجابهة طالبان أفغانستان ، وهذه المرة الأولى (( في أفغانستان على الأقل )) التي تستخدم المؤسسة الأمريكية العسكرية فيه هذا التكتيك العسكري بإقدام هذا العدد الكبير من الجنود دفعة واحدة .

وبناءاً على نظرية التطور الفطري الذاتي للقوة العسكرية الطالبانية [ والتي أثبت واقع حرب السبع جيوش صحتها ] فإن ذات حال التطور سيلحق بالقوة الطالبانية مرة أخرى في معركتيها ، وخاصة في الجانب الأفغاني .. فبالنسبة لباكستان فساحات القتال تسجل يوماً تلو الآخر إندحاراً من الجانب الباكستاني ، وخللاً في تحركاتهم مرده إلى اسلوب طالبان في القتال ..

أما في أفغانستان فمجابهة قوتين في وقتٍ واحد ، إحداهما القوة الأمريكية .. مهما كان فهو وضع تتصاعد صعوبته بالنسبة لطالبان .. فبالرغم من العمليات الطالبانية الناجحة .. إلا أننا لا ندري ما يأتي به القدر ، فقد صار التكهن بنتائج المعارك ، وخاصة تلك الدائرة بين القوى الجهادية ، وقوى عسكرية ذات خبرة وإحتراف .. أمر يصعب إتخاذ رأي صريح فيه .. وإن كان رأيي والذي هو يبنى على أساسٍ واقعي وعملي أكثر منه عاطفي .. فأنا أتوقع بناءاً على هذا الرأي إنتصار القوة الطالبانية أمام اندحار القوات الأفغانية ، الأمريكية ..
_______________________________
ربما تضطرنا الأحداث إلى مزيد من المقالات عن هذه القضية ..
ولكن غالباً سيكون مقالي التالي عن الأزمة الحالية بين الإخوان النظام

هناك تعليقان (2):