02 يونيو 2009

أسطورة الجيش الباكستاني


ما من مشروع من المشاريع الحكومية الضخمة ، والمهمة إلا وكان الجيش الباكستاني هو القائم الأول عليها ، وذلك لضمان إقامتها على أكمل وجه ، ودون فساد في إدارتها ، وللإنجاز الأسرع في إقامتها ... الضابط في الجيش الباكستاني يحظى المكانة ، والقيمة عن الضابط في الشرطة الباكستانية .. في المظاهرات الحاشدة إن أرادوا تفريق المتظاهرين ، فلا يكون ذلك بالشرطة ، إنما بأفراد الجيش الذين يتواجدون في باكستان حيث المصائب ، والمشاريع ، وكل شيء يستحق إدارة وضبطاً لا يستطيع القيام به هناك إلا الجيش الباكستاني .

لا عجب أن المؤسسة العسكرية الباكستانية المتمثلة في الجيش الباكستاني ؛ هي أهم المؤسسات هناك ، حيث تعتبر حقاً القائمة على كل شيء ، وليس بعيداً ، أو عجيباً إن كان لها دورها الغير مباشر والغير ظاهر في الإدارة السياسية ، على الأقل الإدارة السياسية الداخلية ، فتقريباً هي تمثل وزارة الداخلية الباكستانية ، حيث أن دور هذه المؤسسة يتنامى يوماً تلو الآخر في مقابل الانحدار الطبيعي لدور الشرطة ، حيث أن الأوضاع هناك ليست كتلك التي في الدول الطبيعية ..

الشعب الباكستاني شعب قبائلي في المقام الأول ، فمعظم الأفراد هناك ينتمون لقبائل في الأصل ، وإن كانوا هاجروها واستقروا في المدن الكبرى ، إلا أنه مازالت بهم صفات القبيلة الباكستانية ..

مصر الآن تعيش 28 عاماً تحت الحكم الطوارئي ، والشعب المصري يتقبل هذا ، وحتى إن كانت هناك أي حركات احتجاج أو غضب ، فيكفي أن تكون الداخلية المصرية هي وسيلة الردع .. في المقابل حين فرضت حالة الطوارئ في الشارع الباكستاني في أيام مشكلة القضاة المعروفة ، قدر الجميع من المحللين السياسيين أن حالة الطوارئ هذه التي أعلنها الرئيس برفيز مشرف ، هي بداية نهاية حكمه ، حيث خرجت المظاهرات الحاشدة ، والعنيفة .. وبدأت حالات التمرد بالظهور ، وحدثت حالة من الفوضى العارمة ، التي لا يستطيع الوقوف في وجه مثلها إلا قوة عسكرية كقوة جيش ..

حالات الغضب في الشارع الباكستاني تؤدي مباشرة إلى إضرابات ، أو تمردات ، أو مظاهر غضب حاشدة لا يبالغ أي واصف بأنها أشبه بالثورات ..

هنا في مصر الإقدام على إضراب هو ضرب من ضروب الواقع صعب المنال ، فمع نجاح إضراب 6 إبريل من العام الماضي ، عاشت مصر حالة لم تعشها من فترة طويلة ، وكأن القيامة قامت ، ففكرة الإضراب فكرة مبتدعة جديدة على الشارع المصري ، والدليل أن الدعوات التالية للإضرابات لم تنجح كدعوات إضراب ، أكثر منها كدعوات احتجاج .. فعلى سبيل المثال في يوم 6 إبريل الماضي لم ينجح اليوم كيوم إضرابي ، إنما بإمكاننا أن نقول أن نجاحه كان في شق الوقفات الاحتجاجية ، والمظاهرات المحدودة .. على النقيض تماماً في الشارع الباكستاني ، حيث أن الإضرابات هناك أكثر من الإجازات الرسمية ، والشعب هناك يفرض الإضراب فرضاً على الشارع الباكستاني ، وعلى النظام الباكستاني أيضاً ، وفي المقابل يكون الجيش الباكستاني حائط الصد الذي سيواجه الحشود الغاضبة إن خرجت في أيام الإضراب أي مظاهرات ..

الأيديولوجية الباكستانية بشكل عام أيديولوجية ذاتية السيطرة والحكم .. هذا لا شك أمر فيه سلبياته والتي تتمثل في الجرائم البشعة المنتشرة .. ولكن هذه الأيديولوجية أيضاً هي قوام الحرية التي تحجم دور النظام أمام كرامة الفرد الباكستاني .. مثل هذه الأيديولوجية حقاً يصعب السيطرة عليها ، ويصعب ترويضها .. ولذلك فإن المؤسسة العسكرية الأولى هناك (( الجيش الباكستاني )) هي التي توضع في مواجهة طوفان غضب الشعب الباكستاني ..

ولا عجب أن يكون الجيش الباكستاني له كل هذا المقدار من المكانة والسيطرة ، وهو المؤسسة التي تنال 60% من حصاد الدخل الباكستاني ، فهو حقاً مؤسسة تم الصرف عليها جيداً لتكون في يد السلطة السياسية ..

التطور الطبيعي في حجم أي مؤسسة تنال مثل هذا القدر من التحكم والسلطوية ، هو الخروج عن طوع السلطة الأم ، أو الشعور بوجوب الذاتية في حسم القضايا ، والمواقف .. ولكن العجيب هنا – في الحال الباكستانية – أن هذه المؤسسة العسكرية مازالت في حجمها الطبيعي أمام القرارات السياسية الحاسمة ، والتي يتطلب حسمها عسكريا ..

يرجع ذلك [ حسب استنتاجاتي ] إلى التواؤم بين المؤسسة العسكرية الباكستانية ، والأخرى السياسية .. فأرى أن هناك تساوي في إصدار القرار ، ومشاركة تلاحمية في هذا الجزء من الإدارة ..

فإن اطلعنا على الجيش الباكستاني فسنجد أن الأمور التنظيمية ، والمتعلقات العسكرية المختلفة تقع بيده ، فحتى دور الشرطة الباكستانية متقلص إلى أبعد الحدود فيكاد يكون دورها مقتصراً على الأمور الإدارية في المؤسسات التنفيذية التابعة لوزارة الداخلية .. بينما الجيش الباكستاني هو وزارة الداخلة الواقعية ..... إلى جانب ذلك الإشراف المباشر على المشروعات الكبيرة .. فيحوز الجيش الباكستاني بذلك على شقي التنظيم ، والإدارة في الشأن الداخلي (( وللعلم معظم الموارد الإنشائية في يد الجيش الباكستاني وهذا يفسر أكثر كونه المشرف الرئيسي على المشروعات الضخمة )) بل وتَنْفُذ سلطته إلى درجة السيطرة الواقعية على سلطة مؤسسات أخرى ، تبدأ واقعية سلطتها بالتبعية في التراخي ، والانحدار .

وفي المقابل إن اطلعنا على المؤسسة السياسية ، التي تتمثل في الحكومة ، والنظام الحاكم بشكل عام ؛ نجد أن المتعلقات السياسية البحتة ، تقع قراراتها في يده ..

وبذلك فإن الجيش ، والنظام السياسي كلاهما ينال شطري السلطة [ التنظيم والحسم العسكري الداخلي في يد الجيش الباكستاني ... والحقائب السياسية البحتة (( وخاصة السياسة الخارجية )) في يد النظام الباكستاني بكافة مؤسساته ] ..

يبقى شأن وهو شأن الحسم العسكري الخارجي .. وهو المقصود به الحروب مع الخصوم الخارجيين ، كتلك القائمة الآن مع الحركة الطالبانية في منطقة القبائل ..

مثل هذه القضايا التي تحتاج إلى حسم إستراتيجي سياسي ، وفي ذات الوقت إلى حسم عسكري .. مثل هذه القضايا هي قضايا حساسة في الشأن الباكستاني بشكله العام ، ومن الطبيعي أنه يمثل أيضاً حزازية بين المؤسستين ؛ العسكرية ، والسياسية ..

إن أخذنا قضية حرب طالبان القائمة الآن ، فسنجد أنها تعود إلى حسابات سياسية تقوم بإدارتها المؤسسة السياسية الباكستانية (( ومثل هذه القضية لها متعلقاتها التي يطول شرحها ، ويطول ذكر أسبابها السياسية )) هذه الأسباب تحسمها المؤسسة السياسية المتمثلة في النظام الباكستاني .. ثم لابد من الحسم العسكري التبعي للحسم السياسي الأولي ، هذا الحسم العسكري تراجع المؤسسة السياسية المؤسسة العسكرية فيه ، فتكون الموافقة على الحسم العسكري أو عدم الموافقة (( ويصعب على المؤسسة السياسية الضغط بأي ورقة من أوراق ضغطها التي هي غالباً محروقة .. فبمقدور المؤسسة العسكرية قيادة انقلاب مباشر على النظام الحاكم .. وحدث ذلك قبلاً في انقلاب برويز مشرف (( قائد الجيش الباكستاني حينها )) على نواز شريف ..... بالطبع سيراجع الجيش الباكستاني ملفاته ، ويراجع أولوياته إن كانت تتفق مع الحرب أم لا .. وفي نهاية الأمر سيكون الحسم النهائي في يده ..

في الحرب القائمة الآن في منطقة القبائل ضد حركة طالبان .. أرى أن السبب الرئيسي في قيادة الجيش الباكستاني تلك الحرب ، وموافقته على خوضها ، يرجع إلى حاجة الجيش الباكستاني في استعادة هيبته في تلك المنطقة ، والتي تبددت في الشهور الأخيرة خاصة في أحداث المسجد الأحمر ، والأحداث المتلاحقة في المناطق القبائلية ، والتي كانت سبباً في فقدان الجيش الباكستاني هيبته ، وأيضاً مكانته في قلوب الباكستانيين كحامي الحمى ، خاصة أن هذا الجيش خاض معارك ضارية ضد الهنود ..... هذه المكانة الضائعة ، وهذه الهيبة المفقودة يبحث الجيش الباكستاني سبيلاً لردها ، فكانت هذه المعركة هي السبيل في ردها من وجهة نظر مؤسسته ..


خلاصة الموضوع وما يشمله يتلخص في النقاط التالية :

* ينال الجيش الباكستاني 60% من حصيلة الدخل الباكستاني .

* الجيش الباكستاني هو الذي يشرف على المشروعات الضخمة .

* الجيش الباكستاني تَنْفَذُ سلطته إلى درجة الاستيلاء - الطبيعي القائم على الواقع التدرجي – على مؤسسات أخرى من أبرزها الشرطة والتي صار دورها صوري ، ومتمثل في المهام الإدارية أكثر منه المهام العملية .

* الجيش الباكستاني يشاطر النظام الحاكم السلطة الداخلية .

* الجيش الباكستاني يتحكم في شطر التنظيم ، والحسم العسكري الداخلي .

* النظام الحاكم ومؤسساته السياسية ، يتحكمان في المتعلقات السياسية (( وخاصة الخارجية )) .

* للجيش الباكستاني الحسم النهائي المتعلقات العسكرية الخارجية .. فليس كأميركا مثلاً يرجع الحسم إلى الموقف السياسي .. ليس الأمر في باكستان هكذا إنما يرجع الحسم إلى أولويات الجيش الباكستاني التي تحقق مصالحه الخاصة .

* ليس في يد النظام الباكستاني أي ورقات ضغط ضد الجيش الباكستاني ، بل العكس صحيح في يد الجيش الباكستاني أهم ورقة ضغط وهي الانقلاب على المؤسسة السياسية .

* الحرب الباكستانية القائمة ضد حركة طالبان في منطقة القبائل ، خاضها الجيش الباكستاني لهدف استرداد هيبته في تلك المناطق .

في النهاية نجد أن المؤسسة العسكرية الباكستانية (( الجيش الباكستاني )) مؤسسة قوية إلى حدٍ كبير ، مؤسسة تعمل باحترافية كبيرة في إدارة أولوياتها ومصالحها ..

________________________________
إذا ربطنا هذا بالمعركة القائمة مع طالبان .. فسنجد استنتاجات ستوضح لنا الكثير من علامات الاستفهام التي فرضها واقع المعركة ...

[ في المقال القادم ]

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق