26 مايو 2009

النفاق ؛ أيديولوجية الخنوع والغباء العاطفي

في 28 سنة الأخيرة شهدت مصر عصراً من الإنحدار الشديد في شتى المجالات ، وعلى رأسها الحريات ، والديموقراطية .. وفي عصره أكثر جرائم التعذيب وحشية ، وأكثر المشكلات غرابة وأكثرها دليلاً على فساد نظامه الحاكم (( المخلل)) وهي مشكلة الخبز ... شيد مبارك في سنواته 28 صرح معرة اعترى الشعب المصري عن بكرة أبيه ، فأصبح المصري يخجل من ذكر اسم رئيسه في بلد عربي أو حتى غير عربي ؛ حيث أن جرائمه مشهود بها عالمياً ..

في عصره شهدت مصر عصر مذلة ، وفساد .. في عصره قتل ألف برئ غرقاً في البحر على يد احد الفاسدين المحميين بظل سطوته ، وسلطته .. وبدلاً من أن يحكم عليه بالإعدام ، أخذ البراءة ، ثم 7 سنين فقط كعقوبة حتماً سيقضيها خارج البلاد كسائح معززٍ مكرمٍ .

حاصر مليون ونص المليون من البشر الأبرياء ، كل ذنبهم أن فيهم فئة مقاومة مجاهدة ، مدافعة عن أرضها ضد الإحتلال .. ووصلت للحكم بالشرعية الإنتخابية التي يشهد العالم عن بكرة أبيه بنزاهتها ، وعدالتها ..

مبارك هو العميل الخائن الذي وضع يده في يد وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة ، وهي تعلن وبكل وضوح أنهم سيهاجمون غزة .. مبارك هو الذي حاكم المتعاطفين مع أهل غزة محاكمات عسكرية غاشمة ، وهو الذي يمنع دخول المعونات ... مبارك ؛ الرئيس الذي أذل مصر وأهانها ، وأهان مكانتها ؛ وأعلن أن فتح المعبر حق إسرائيلي .. مبارك الذي صدر الغاز المصري بأبخس الأثمان للمحتل الصهيوني ، الذي قتل مئة ألف مصري على مر الحروب ، وقتل الأسرى المصريين بالحيا ..

كم مات في عصره من أطفال بسبب أمراض ، أو أوبئة ، أو جوع ، أو عطش ... وكله مرده فساد النظام ، و الإدراة ..

هذا الرئيس الغير شرعي لمصر ؛ توفي ابن ابنه .. المواطن محمد ابن المواطن علاء مبارك ... تعاطف الكل مع الخبر ، وقدموا تعازيهم في الفقيد ، وياليت لو أن الأمر انتهى على هذا .. انما بدأت المبالغات ، وبدأت ما أسميها ( المنَافَاقَات) .. ونسي الكل أن من يعزونه هو دافن الشعب بالحيا ، والمتواطئ مع الصهيوأميريكية ..


في الجانب الآخر النقيض .. شخص باع ماله ونفسه من أجل بلده وشعب بلده ، ومن أجل قضيته .. كان بإمكانه من خلال ثروته التقرب من السلطة الحاكمة ، وأن يبصبح له باعٌ في البلد .. لكنه أدرك منذ الوهلة الأولى أنه لن يكون باعاً شرعياً .. قدم الكثير لبلده في مجالات مختلفة ؛ سواءاً أكانت السياسية ، أو الإجتماعية ، أو حتى الإقتصادية .. يُشهد له بنظافته ، على عكس الكثير من رجال الأعمال و الذين أغلبهم ملتفين حول النظام السلطوي ..

هو رجل الأعمال المصري الذي كان يحلم بتقدم بلده إقتصادياً ، وتكنولوجياً ، وحاوال مساهمة في ذلك بمشروع سلسبيل والذي كان يهدف إلى تصنيع أجهزة الكمبيوتر في مصر .. لكن أيدي مبارك الملوثة لا تبلث حتى تقضي على كل بوادر الأمل ، وتطفئ شموعه ..

هذا الرجل كان يرغب عيش كريم للمواطن المصري ، كان يريد مصر دولة من دول العالم المتقدم ، دولة ديمقراطية ، دولة حرية .. هذا الرجل هو خيرت الشاطر ..

ولكنه كان يرغب الصلاح ، والإصلاح في بلده ما فتئت أن طالته يد مبارك ذاته الملوثه ، والملطخة بحرية الابرياء .. وتمت محاكته ظلماً وبهتاناً ، وزوراً محاكة عسكرياً ، أقر العالم بعدم شرعيتها ، وبأنها محاكمة فجر وإذلال في حق النظام المصري الكابت لكل أنواع الحرية ، والديمقراطية بل والإصلاح ..

توفيت والده المهندس خيرت الشاطر وكانت تتمنى أن تراه قبل وفاتها ..

لم نرى تفاعلاً كذاك التفاعل الذي كان مع وفاة ابن ابن مبارك ؛ رغم أن الأول يسعى للبلد ، والثاني يسعى من أجل البلد (( أي من الحصول على البلد )) ..

تفسير ذلك يرجع إلى أيديولوجية الشعب المصري ، الذي تقبع عواطفه تحت تملك السطوة .. فالشعب المصري وإن كان معارضاً إلا أنه تملكته أيديولوجية الوقوع تحت سطوة المسؤول ، أو بمعنى أدق الحاكم .. فتتحرك عواطفه لكل أمر يتعلق به ... فيحزن كثراً لأمر ألم به ، وقد يسعد كثيراً لأمر حصل له ... ولكن غالباً هي عاطفة حزنية ؛ أن تفاعلها مع الخبر المحزن ..

هذه الأيديلوجية نتاج عوامل عدة :

* منها الخضوع لفترة طويلة تحت حكم سطوي ، نافذ ، ديكتاتوري ، على مر أزنة طويلة إلى حدٍ كبير .. في العصر المملوكي ، ويليه عصر عائلة محمد علي باشا كلها ، حتى الملك فاروق ، ثم عصر جمال عبد الناصر ( والذي كان أزهى عصور الديكتاتورية ؛ المزينة بالأنغام الرنانة المتعددة ) ، ثم عصر السادات ( أضمر العصور ديكتاتورياً ، رغم مساوئه التي لا تغتفر ) ، ثم عصر مبارك ( أكثر العصور نضرة وازدهارا ديكتاتورياً ، وأكثرها فساداً أخلاقياُ ، واجتماعياً ، واقتصادياً ) ... هذه المدة الطويلة التي قضاها الشعب المصري تحت حكم أنظمة ديكتاتورية ، كانت السبب في تبلور الأيديولوجية الخانعة للسطوة الحاكمة ، حتى في الجانب العاطفي ..

*أيضاً من العوامل ، ضعف الثقافة الحقوقية ، وانطماس فكرة الوعي السياسي القاعدي ، أو الشعبي .. وعدم اندماج الشعب [ المرحب به من قبل النظام ] في الحركة السياسية ، وإن كانت مستقلة ..

*إلى جانب عوامل الأمية ، والجهل ، والفقر ، وغيرها من العوامل التي كان النظام سبباً رئيسياً أساسياً في قيامها ، ونشوئها رغبة منه في مثل هذه الأيديولوجية العاطفية (( النفاقية)) ..

يأتي الدور على الذين يدعون معراضتهم للنظام المصري ، ويدعون الثقافة ، والفهم والإدراك ، وغيرها من المصطلحات التي أكل عليها الدهر وشرب من بلائها ، وعدم نفاذ شيئٍ منها .. هؤلاء المعارضين يبدون دوراً نفاقياً فعالاً ، يعزز من بأس النظام ، ويقوي من شوكة تلك الأيديولوجية الغبية التي اتسولت قلوب المصريين ..

يبدوا أن المعارضة المصرية تبدي يومياً مظهراً من مظاهر ضعفها ، وانكسارها ، وخنوعها النوعي أمام النظام السلطوي ، حتى وصلت درجات خنوعها إلى لب أيديولوجياتها ، بل وعواطفها ....

فلك الله يا مصر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق