13 مايو 2009

عبودية المعبود .. وكمال الحرية

لاشك أن الأقوام والأمم تسعى لقيمة الحرية تحت مثل العدالة ، وطالما سعت وراءها الأقوام بأفكار عدة وسبل كثرى .. وصارت الحرية الجزئية ومعاني العدالة من أسمى مطالب الإنسان ، إلا أنها ألهته عن الحرية الكلية وشمول العدالة ... وحقيقة لا يقع جلُّ اللوم على الأقوام كما يقع معظمه على مفكريهم وعلمائهم وفلاسفتهم والذين أُشغلوا بنواقص الأمور عن تمامها وكمالها ... فإن كان الفلاسفة القدام قد بينوا الحرية على أنها أمر مختلف بشروح عدة .. ثم وضعت شروح الحرية في أجواف التنظيرات كالشيوعية والماركسية فيها ، والعلمانية .. ثم رأى أشخاص أن كمال الحرية في التنظيرة الليبرالية .. إلا أنهم حقاً لم يستوعبوا بتنظيراتهم كلية الحرية .
لا أنكر أن الحرية الكاملة صارت فراغاً في واقع المنشودات ، فانصب ارتقاب الناس على الحرية الجزئية ، والتي تمثلت في عقولهم ووجدانيهم بأنها كمال المثل والقيم ؛ ومرد ذلك إلى الذين كرسوا فلسفاتهم في إبعاد الأصول عن الجذور وإنكار أصل الجذور ووصلها بأخرى بغباءٍ مستميت . وابتعدوا بفلسفاتهم وتفكيراتهم عن لب المدارك ، ولخَّصوها في أتفه الأجزاء .
إن الإنسان إن وصل لجزئية الحرية وعدالتها بعيداً عن إدراك الكمال في شأن الحرية فعبوديته ستظل قائمة ولأتفه ما كانت له عبوديته .
أما الكمال في الحرية فهو التحرر من وضع العبودية لأي شيء لحال الحرية في عبادة الملك الدَّيان ... فإن كان المرء مشركاً مع الخالق فقد عبَّد عقله وقلبه لفكرة ، ونسي فسحة الحرية في عبادة الله الذي أوجد ما هو عابده ، فكأنما وضع نفسه في سجن عبودية يضيق به ، وترك فساحة عبادة الله الذي خلق المعبودات المكذوبة التي يسجن في عبوديتها العابد الجاهل ..
وإن كان المرء جاهلاً عاصياً فقد وضع كيانه في قفص المعصية وتحت حكم نفسه التي عبدها دون خالقها فترك فسحة عبادة الخالق لضيق عبودية المعبود ... وهذا شأن الملحد الذي ظن أنه وصل لأكمل الكمال في شأن الحرية ولكنه لم يدرك حقيقةَ أنه أحل َّ ذاته وكيانه في محل عبودية عقله وترك أفسح الفساحات في عبادة خالق المخلوقات .
يعود الحديث للوم العلماء المفكرين ، والفلاسفة المنظرين ؛ لتركهم أكمل الأشياء لنواقصها .. وتركَ علماؤنا صواب التنظير في شأن كمال المثل والقيم كالحرية والعدالة ، وجعلوا أمور التنظير في أيدي عيرنا فنظروا بعقولهم تنظيراتٍ جزئية وتركوا الكماليات لأنهم أساساً وضعوا أنفسهم في الأحياز الضيقة .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق