19 مارس 2009

إضراب منذ الأزل



سيدي ؛ من فضلك لقد قتل أحد الأقارب في حادث سير بسبب رعونة السائقين ... سيدي ربما سيحد من رعونتهم أن يكون هناك مطب صناعي أمام المنطقة السكنية ، حتى نتفادى حوادث أخرى وقتلى آخرين .. أتمنى من سيداتكم أن تعجلوا في إصدارالقرار ، وأضع بين يدي سيادتك ورقة تحوي خمسة آلاف توقيع من مواطنين يتضررون من رعونة السائقين ويرون أن الحل باصطناع مطب أمام المنطقة السكنية
يحد من السرعة - على الأقل - في تلك المنطقة ... وأرجو مرة أخرى من سيادتكم سرعة إصدارالقرار ، فما من إسبوع يمر وإلا وحادثة تنم عن قتيل أو اثنين ...

حسناً ، حسناً ... سنبحث الموضوع في الخطة ، وقريباً سنجد حلاً لكم ... يمكنك الإنصراف ..


شكراً لاهتمام سيادتكم ..


ويمر إسبوع ، وإسبوعان ، وثلاثة ، وشهر ، وشهران ، وثلاثة .... ويموت قتيل ، وقتيلان ، وثلاثة .... إلخ

يرجع مرة أخرى ، ومعه وفد من قريته ...


سيدي الفاضل .. مرت مدة تزيد عن الثلاثة أشهر ، وقد وعدتنا بحل لمشكلتنا .. ولكن لم نجد أحد من طرفكم ، ولو على الأقل يخبرنا بأنكم تبحثون مطلبنا ، وترون في حوادث السير عندنا ... لقـ ...


أووووووووووووووف ... ألم أخبرك بأننا سنبحث الموضوع ؟؟ ..

نعم سيدي ، ولكن ...

بدون لكن ... هيا انصرفوا إلى قريتكم ...

وبدأت مقدمات تضارب الأصوات ..." ولكن يا سيدي" ...


لااااااا ... يبدوا أنه لا يصح معكم التعامل بلطف ....


وينادي العسكر خارج الغرفة ... ويدخلوا وقد أشهرو عصيهم ، ويحيطوا بالوفد من جهة السيد ، ويدفعوهم خارجاً ..
يرجعون ، منكسرين ، وقد أصيبوا بالإحباط ، والألم ؛ أكثر ... فقد يكون ابن هذا ، أو ذاك ضحية لحادثة أخرى .. وقد يكون أحدهم هو
الضحية ... وقد تكون عدة بيوت ضحية لإنفجار ؛ ناجم عن تصادم سيارات عدة ؛ كهذا الذي كان من عامين ؛ واحترق نتيجة له خمسة بيوت من المطلة على الطريق ، وكانت ثلاثة من الفتيات ، ورجلان ، وامرأة صحية الحادث ، والحريق ..

ماذا عساهم أن يفعلوا ؟؟ فإن عادوا وأقاموا مطباً بجهودهم .. فسيأتي من يزيله ويقر المخالفات الباهظة على سكان القرية .. وقد لا يستطيع أحدهم سدادها ، فيسجن بدلاً عن السداد .... وهذا ما حصل في القرية العام الماضي حين قاموا باصطناع مطب بجهودهم ..



قرر أحد الشباب الحل ... اجتمع أهالي القرية عند مفترق النخيل في وسط القرية ، وقف الشاب على مسطبة عالية قدراً يراه الناس فيه ؛ أعلن أمام الجمع أنه وجد الحل .. وأنه لا حل إلا هو ... ولا يرعبكم اسمه ، فهو حل يضمنه القانون ، ويؤيدنا فيه الدستور ..



صاح أهالي القرية ، واختلطت أصواتهم بطلب ذكر الحل ..


قال الشاب وقد بلغ ذروة حماسه ...


نحن قرية الكل يعرف قدرنا ، نمد القوم بالقوت ، ونذيقهم عذب الشراب ... وما استطاعوا إن شللنا حركتنا ، أن يقتاتوا ، أو يشربوا ..


فصاح الجمع .. وقد بدوا متعجبين من كلام الشاب .. وسألوه عن قصده


فأخبرهم انه لا حل إلا في الإضراب ..


ساد الصمت ، والتقت العيون بالعيون ؛ وهي تحمل حيرة جمة ..


قام من بين الجمع أحدهم ، وقد شق غيم السكوت ، وصاح بأعلى صوته ...


يا قوم .. ما يقوله ذلك الشاب هو الصواب ،، لن نجد الحل لوقف مهزلة الحوادث إلى إن أضربنا ،، وأعلنا أننا محتجون ، ورافضون لسكوت الساده عن موتنا وأبنائنا بالحوادث يوماً تلو الآخر .. إني أؤيدك يا فتى وأرجوا من الجمع ذلك ..



مازال القوم صامتون ، ولا يسمع سوى صوت التفاتاتهم ،، ينظرون لبعضهم ، وقد بشرت أعينهم بالرضى ، والقبول ..


قام آخر وكسر قبة الصمت ؛ وأعلن تأيده ، ثم قام نفر وأيدوهم ، ثم قام جمع ، فجمع ... ثم قام كل القوم ، وقد أضربوا ..


أضرب قوم القرية يوم ، فيومان ... أضربوا إسبوعاً...



ظن السادة أنهم سيرجعون ، ولكنهم لم يرجعوا ، وثبتوا في إضرابهم


اضطر السادة لتنفيذ مطلبهم ، اصطنعوا المطب .. وحلت المعضلة ...



مذ ذاك الحين ، وسارت سنة الإضراب ... بات كل ضعيف يفكر في الإضراب .. فهو قويٌ بإنتاجه



.................................................................................




هذه حكاية قرية الإضراب ... قومها أول من أضربوا ..





الصورة من : يساري مصري

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق